متحف قطر الوطني: المفهوم الحداثي للفضاء
نشر بواسطة: iwladmins
الأحد 13-12-2020
 
   
د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

* الى "محمد الاعسم"

في كتابه المهم والشيق: (“Re- working Eisenman 1993)” ، يشير المعمار التفكيكي المعروف "بيتر ايزنمان" (1932) Peter Eisenman ،

الى أن "القطيعة" التي سعت "عمارة ما بعد الحداثة" وراء تكريسها في الخطاب المعماري، كانت بسبب وقوع "عمارة الحداثة"، السابقة لها ، تحت تأثير ثلاثة أوهام Fictions، والتي بقيت سائدة ومنتشرة في الممارسة المعمارية لفترة طويلة، وهي: "وهم التمثيل" Representation، و"وهم المنطق" Reasonـ و"وهم التاريخ" History. وقد أورد المؤلف تبعات كل وهم من الأوهام الثلاثة، وما أحدثه من عواقب وآثار على كنه المفاهيم المعمارية، وبالتالي على النشاط المعماري. ومع أن المعمار التفكيكي "تخلى" لاحقاً عن <يقينية> وصرامة ما كان ينادي به في السابق، إلا أن "الخلخلة" الفكرية التي أحدثها، وقتها، في الخطاب (وبالتزامن مع "حضور" مناشدات ورؤى تنظيرية أخرى)، أتت أُكُلها، متجاوزة المقاربة التفكيكية نفسها، ومتسببة بظهور تيارات أخرى عديدة زخرت بها الممارسة المعمارية المعاصرة. لا نريد، بالطبع، أن نسترسل كثيراً في رصد أسباب وفرة المقاربات وتنوعها في الخطاب المعماري لما بعد الحداثة، فهذا أمر، على أهميته، إلا أن مكانه ليس هنا. ما نحن بصدده، الآن، مجرد التذكير بالسمة الغالبة الحافل بها المشهد المعماري المعاصر من غزارة في المقاربات المعمارية وجذور تنوعها.

من ضمن تلك المقاربات الوافرة، المليء بها المشهد المعماري، تتبدى مقاربة المعمار الفرنسي "جان نوفيل" (1945) Jean Nouvel، بكونها إحدى أهم مقاربات عمارة ما بعد الحداثة، ومن أكثرها حضوراً وتميزاً في الممارسة المعمارية المعاصرة. نعرف بأن "جان نوفيل" أو بالاحرى مكتبه الذي أسسه ودعاه "مشغل <اتليه> جان نوفيل" Ateliers Jean Nouvel صمم في السابق مشاريع ذات وظائف مختلفة، ويعمل بالوقت الحاضر على مشاريع عديدة انطوت غالبية لغتها المعمارية على إبهار تصميمي، وتميز في الحلول التكوينية لها. لتذكر مشاريعه التي نفذها في العقود الأخيرة مثل: المركز الثقافي والاجتماعات (1993 - 2000) لوتيرن/ سويسرا، وبرج كولونيا (1998 -2001)، كولونيا/ المانيا؛ ومبنى "دينستو" (1998 - 2002)، طوكيو/ اليابان؛ والمبنى الإداري "توري اغبار" ( 2003)، برشلونة/ اسبانيا، ومبنى في "الافينو الحادي عشر" (2009)، نيويورك/ الولايات المتحدة، وقاعة الاحتفالات (2009) كوبنهاغن/ الدانمرك، و"متحف باكو للفنون الحديثة" (2010) ومبنى “53W53 (2018)، نيويورك/ الولايات المتحدة وغير ذلك من المشاريع التي حظيت عمارتها باهتمام واسع في الأوساط المهنية والثقافية. لكن تصاميمه "العربية" سواء على الأرض العربية أو خارجها ، اتسمت على عناية خاصة لم تقتصر على خصوصية المكان، الذي لطالما "نوفيل" يذكر بأنه مهتم به، وإنما تعداها الى ايلاء اهتمام إضافي الى خصوصية المنتج المعماري المحلي والسعي وراء تأويله بشكل معاصر، وبصيغة تتساوق مع تطلعات مقاربة المكتب وأسلوبه المعماري الخاص. في مشروعه مبنى "معهد العالم العربي" (1981 – 1987)، في باريس / فرنسا ( الذي تناولنا عمارته سابقاً في إحدى حلقات هذه الزاوية من "عمارات") والمشاريع التي صممها للأرض العربية، وفي الأخص مشاريع مثل: "برج الدوحة" (2004 - 2012)، الدوحة/ قطر؛ ومتحف "لوفر ابوظبي" (2008 - 2017)، ابوظبي/ الامارات، ومتحف قطر الوطني (2011 -2019)، الدوحة/ قطر <وهو موضوع حلقتنا الجديدة من "عمارات">؛ غالبيتها تحضر في حلولها التكوينية مسعى المعمار المجتهد ونزوعه في تأويل عناصر العمارة المحلية ومحاولة قراءتها مجدداً.

تعد نوعية اشتغالات "جان نوفيل" وأسلوب تعاطيه مع منتج العمارة الإسلامية، من الأعمال الجادة والرصينة في مجال الفعالية "التثاقفية" Acculturation ؛ التي من خلالها تأتّى له إضافات تكوينية مميزة. ومرة أخرى يتأكد صواب الافتراض، من ان التلاقي بين ثقافتين مختلفتين في ايدى المعمار المتمرس والنابه، يقود الى اكتشاف آفاق معرفية جديدة، تُثري الناتج المعماري وتُضفي عليه ألقاً وجاذبية. وما قام به "جان نوفيل" وما اجترحه من عمارة غير تقليدية، أبانتها بوضوح عمارة مشاريعه المخصصة للأرض العربية، ومفرداتها التصميمية المؤولة تأويلاً ذكياً ومبدعاً، يرسخ من قيمة تلك المقاربة في المشهد المعماري ويزيده تنويعاً. ويبقى تساؤل عرضي، يفرضه واقع العمارة المحلي الآني، عما إذا كانت اجتهادات "نوفيل" واجتهادات كثر من المعماريين العالميين الآخرين، الذين سعوا وراء تكريس مفهوم التلاقي الثقافي معمارياً بالخطاب، وبالذات محاولاتهم المبدعة في التعاطي مع منتج العمارة الإسلامية وتأويلاتهم الحصيفة والماهرة لمبادئها وقيمها التصميمية ؛ قادرة على إثارة انتباه "ابناء" العمارة الإسلامية و"بناتها"، لجهة "الحفر" المعرفي في جوهر تلك العمارة والتقصي عن ماهيتها؟ فنحن في حاجة (وحاجة ماسة!) لاشتغالات تأويلية على تلك القيم الفطنة التي تمتلكها العمارة الإسلامية، لتكون أداة في إثراء المنتج المعماري المحلي، وجعله أكثر تميزاً وانتماءً للمكان، والأهم أن تكون تلك الاشتغالات متساوقة مع ذائقة جمالية معاصرة.

دعونا نعترف، بأنه تساؤل مشروع يستدعي إجابات مقنعة وحكيمة من قبل الجميع؛ ...لكن ذلك قصة أخرى! قصتنا، إذاً، عمارة متحف قطر الوطني ونوعية <فضائه>!

في إحدى إجاباته في حوار أجراه صحفي ياباني مع "جان نوفيل"، يوضح المعمار الفرنسي جزءاً من فلسفته التصميمية، قائلاً "..كل مشروع هو في الحقيقة "وليد" ظروفه، وهو في النتيجة عاقبة أحواله، والأحوال هنا تعني بالطبع متطلبات المنهاج التصميمي، وحجمها وعلاقة ذلك مع رغبات "رب العمل"، ويضيف، بأنه يعتقد أن المعمار يؤدي دوراً كمحفز، كمحرّض، ينظر الى "رد فعل" الزبون ، كما يتطلع الى خصوصية الموقع، الى التاريخ، ويتخيل بأن ثمة شخصاً ما سيمتلك مستقبلاً هذا المكان! ولهذا فإن كل مشروع هو بمثابة مفاجأة لي، إذ لا يمكنني أن اتصور مطلقا الى أين أنا ذاهب أو الى أين سأصل في النهاية!" وفي مكان آخر من تلك المحاورة، يعترف "جان نوفيل"، بانه "..عندما أضع "المكان" ( ويقصد به موقع التصميم القادم) في مخيلتي، وأدرك طبيعة الظروف، وأقدر قوة وخاصية الموقع، وعلاقته مع نوع من شاعرية مستقبلية، عند ذاك انغمس به وأضحى مهووساً به، وفي تلك الحالة استدل على نقطة وصول، لم يكن بوسعي التكهن بها من قبل" (Jean Nouvel, Recent Projects, 2014 Tokyo, pp. 8-11).

كأن "جان نوفيل" في هذا الاقتباس الذي اوردناه، يشرح لنا بوضوح اسلوب مقاربته لمشروع "متحف قطر الوطني"؛ كأنه يعبر عن احترام تام لخصوصية المكان وتراثه المتنوع؛ كأنه يوفر لنا، نحن متابعيه ومحبي عمارته، "درساً" أضافياً في تنويعات الاجتهاد التصميمي المعروف عنه! فمبنى المتحف الذي نتحدث عنه، يتضمن برنامجه التصميمي إيجاد فضاءات مخصصة لـقاعات عرض دائم ومؤقت، وقاعة تسع 213 مقعداً، وأحياز مخصصة لمختبرين في الترميم والصيانة، ومكاتب إدارية، وفضاءات خاصة بخدمة تقديم الطعام تتضمن مطعم بانورامي، ومقهى عدد 2 ، وأحياز خاصة لتنظيم ورش تعليمية، فضلاً على خدمات خاصة بكبار الضيوف، بالإضافة الى حديقة خارجية عامة وموقف سيارات يسع الى 430 موقفاً. وكل هذا ضمن مساحة موقع قدرت في 30,064 متراً مربعاً؛ وفي تغطية مساحات المشروع الاجمالية التي ناهزت على 52,167 متراً مربعاً. كما تطلب أن يربط المشروع المصمم مع دار الشيخ عبد الله بن جاسم ال ثاني، أمير قطر السابق التي تم ترميمها بالكامل، واعتبرت من ضمن مكونات المتحف، وهي ذات قيمة تراثية ومعنوبة عاليتين لقطر. وبهذه المقاربة يطمح المعمار الى تجسيد رغبات "رب العمل" بأن تكون عمارة المتحف المستقبلي إياه حدثاً ثقافياً يربط حاضر الإمارة مع ماضيها القديم.

لا يتوانى "جان نوفيل" في متحف قطر، التخلي عن "سلطة" إرث البنيان المحلي واتخاذه، كما يفعل كثر، كمرجع لأفكار تصميمية، وإنما ينفتح بغتة في هذه المرّة، على عالم "الفلورا" Flora النباتي المحلي (ولكن بتشكيلاته الجيولوجية حصراً)، جاعلاً منه منطلقا ومصدراً لاجتهاداته التأويلية في التقصي عن حلول تكوينية استثنائية لموضوعه المعماري. فيصطفي، ما يعرف بـظاهرة تشكّل "وردة الرمال" أو ما يطلق عليها أحياناً "وردة الصحراء" (وهي مجموعة بلورات معدنية تشبه الزهرة، وتوجد في الطبقة المالحة تحت سطح الصحراء وتحدث فقط في المناطق الساحلية القاحلة، وهي معروفة بشكل واسع في صحراء الجزائر وكذلك في صحراء الجزيرة العربية، وتتميز وردة الرمال الجزائرية عن غيرها التي نجدها في بلدان أخرى بلونها الفريد من نوعه، الذي يتراوح بين الوردي والبني مع لمعان يزيدها بهاءً ورونقاً). ويصفها المعمار الذي استعار "بتلة" شكلها المميز الذي يشبه الشفرة، بانها "هيكل معماري تخلقه الطبيعة بنفسها، من خلال الرياح ورذاذ البحر والرمال التي تعمل على مدى آلاف السنين في تشكيلها.. ويضيف "أنه لأمر معقد بيد أنه يبقى شاعرياً بشكل مدهش!". وبهذا الاصطفاء النادر، وغير المألوف لنقطة شروع فكرته التصميمية للمتحف القطري، فإن "جان نوفيل" يبتغي توظيف ما توحي إليه "وردة الرمال" إياها من دلالات رمزية، وما بمقدور هيئتها المميزة من استدعاء معانٍ تشير الى حضور "الصحراء" و"البحر" معاً، وهما "المفردتان" اللتان يطمح المعمار أن يكونا مدمجتين في كنه حلوله التكوينية المبتدعة، جنباً الى جنب ".. التأكيد على استحضار روح الحداثة والجرأة اللتيّن زعزعتا ما بدا أنه أمر لا يتزعزع!" كما يقول المصمم، الذي يرى من أن فكرة المتحف المفترضة يتعين أن تعكس طبيعة البلاد، وقطر، كما هو معروف، أو بالأحرى كما يدرك ذلك المعمار، هي تلك الجغرافيا المحددة بالبحر والصحراء التي ترنو، بكل طاقاتها، نحو التغيير والحداثة!

في مقاربته للحل التصميمي لمتحف قطر، يكتفي "جان نوفيل" بمخرجات جمالية المعيار <التكتوني> Tectonic الذي يبرز عادة عن توظيفات الأنظمة الإنشائية، رافعاً قيمته عالياً ليكون العامل الحاسم في صياغة الحل التكويني لعمارة المبنى وفي تشكيل لغته التصميمية. فالأقراص الدائرية أو شبه الدائرية ذات الأشكال المتنوعة، التي تشكل عماد النظام الانشائي (أحصت هيئاتها المتنوعة الداخلة في التصميم وفقاً لمخططها الذي اعده مكتبه الاستشاري، بما يقارب من حوالي 240 شكلاً مختلفاً في الابعاد والهيئة)، هي المشغولة هيكلها الأساسي بالفولاذ والمضاف الى ذلك الهيكل أضلاع ثانوية اخرى للتقوية، والمكسوة بالواح من"الخرسانة المسلحة بالألياف" Fiber-reinforced concrete (FRC) ذات اللون الوردي القريب الى لون رمال الصحراء، تمثل الوحدة الأساسية التي يتعاطي معها المعمار. فمن خلال تشكيلاتها المستوية والمائلة والمتشابكة والمتداخلة، تخلق <أرضية > فضاءات المتحف، فضلاً على أسطح <جدرانه> و<أسقفه> في آنٍ معاً!

لقد استطاع "جان نوفيل" أن يقدم لنا <درساً> ممتعاً وشيقاً في مفهوم.. "الفضاء" الحداثي (أو بالأحرى ما بعد الحداثي!)، في "عمل" تصميمي لافت ذي قوة حضورية بالغة، يشي بقبول الآخر المختلف وحافل بالأبعاد الدلالية. إنه عمل مثير لمعمار يصبو أن تكون أعماله ذات خصوصية واضحة، قادرة لاكساب تلك الأعمال نوعاً من فرادة! لكن الأمر الرائع في هذا "الأثر" المعماري النفيس والممتدة تشكيلات كتله بصورة أفقية نحو قرابة 350 متراً، قادر على منح زواره ومتلقيه دهشة الحدث المفاجئ المتأتية من رؤية عمارته من زوايا مختلفة!

و"جان نوفيل" مصمم المتحف، مولود عام 1945، أنهي تعليمه المعماري في "البوزار" في باريس سنة 1971، وهو الآن أحد أهم المعماريين العالميين، ويحظى بشهرة واسعة واحترام كبير في الوسط المعماري العالمي. كما إنه حائز على جائزة بريتزكر سنة 2008 المرموقة، وقبل ذلك نال جائزة الاغا خان للعمارة في سنة 1989 والكثير من الجوائز المحلية والعالمية. صمم العديد من المباني في فرنسا وطنه، وفي دول آخرى. كما تعرض عدد من المتاحف والمعارض المعمارية نماذج من أعماله.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced