بعد 65 عاماً على مصرعه.. طائر هاربر لي البريء تلاشي الحلم الأمريكي
نشر بواسطة: mod1
الثلاثاء 14-10-2025
 
   
رضا الظاهر

تجري أحداث رواية (أن تقتل طائرا بريئا) للكاتبة الأميركية هاربر لي (1926 – 2016)، الصادرة عام 1960 (ترجمت أحيانا: أن تقتل طائرا محاكيا، و: أن تقتل طائرا ساخرا)، في مدينة ميكومب الخيالية بولاية ألاباما الأميركية في فترة الكساد العظيم. وتروي الأحداث الفتاة الصغيرة جين لويز (سكاوت) فينتش. وتتابع الرواية سكاوت وشقيقها جيم ووالدهما أتيكوس فينتش، المحامي صاحب المبادىء، الذي يدافع عن توم روبنسون، الرجل الأسود الذي يتهم زورا باغتصاب امرأة بيضاء هي ماييلا إيويل. وتتناول الرواية موضوعات التمييز العنصري في الجنوب الأميركي في سنوات ثلاثينيات القرن العشرين، وهي فترة اتسمت بالمعضلات الاقتصادية والظلم الاجتماعي وتفاقم التوترات العرقية والطبقية.

وتمثل عائلة فينتش منظور الطبقة الوسطى، بينما تجسد شخصيات مثل توم روبنسون وماييلا إيويل صراعات الطبقات الدنيا والجماعات المهمشة. وتعتبر معاناة هذه الشخصيات انعكاسا للانهيار الاقتصادي الأوسع في فترة الكساد العظيم.

ويتفشى التمييز العنصري في مدينة ميكومب في مختلف مفاصل الحياة. وحتى عندما يبرهن أتيكوس للمحكمة بأنه لم يكن لتوم روبنسون أن يسبب أذىً لماييلا، فان هذا الدفاع لا يجد سبيله إلى التحقق، إذ أن هيئة المحلفين تتألف من رجال بيض باستثناء عضو واحد، وقد قررت إدانة المتهم توم روبنسون، الذي أصيب برصاصة ومات عندما حاول الفرار من حراسه.

لقد أصبحت المفاهيم العنصرية جزءا لا يتجزأ من ثقافة الناس، بحيث لم يعد هناك مجال للحديث عما هو صحيح وما هو خاطىء. وإلى جانب العنصرية هناك تحيزات أخرى، لاسيما في سياق قصة سكاوت، مثل التمييز على أساس الجنس، والانتماء الطبقي.

تلاشي الحلم الأميركي

وتدور الرواية حول أتيكوس فينتش، الذي يظهر كبطل غير تقليدي ونموذج يحتذى به، ارتباطا بأخلاقيته الرفيعة. ويتجلى الموضوع الأخلاقي، بوضوح، في الرواية كلها، خصوصا بالارتباط مع موضوع إدراك الخطيئة. وتركز الرواية على الحدس الفطري الذي يميز بين الصواب والخطأ. وفي الاقتباس الرئيسي: "يمكنك إطلاق النار على جميع الطيور الزرقاء التي ترغب في اصطيادها إذا كنت قادرا على اصطيادها، لكن تذكّر أن قتل طائر بريء خطيئة" يتجلى رمز الرسالة الأخلاقية للرواية. غير أنه من الطبيعي أن تحمل فكرة القيام بما هو صحيح معنى مختلفا، اعتمادا على متى وأين يقرأ المرء الرواية. فإذا كان الوقت عام 1960، فإن أميركا كانت في وضع أخلاقي يتسم بالتغلب، بحدود معينة، وبالتدريج، على العنصرية، وفي وقت بدأت فيه حركات حقوق النساء والسود تصعيد نشاطها.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين كانت أميركا تعيش في خضم أزمة الكساد العظيم، حيث كان الحلم الأميركي يبدو أكثر تلاشيا من ذي قبل. ويمكننا أن نعتبر أن أتيكوس فينتش كان يشعر بأن حلمه بإقامة مجتمع المساواة كان يسير، أيضا، في الاتجاه الخاطىء. وبدون تجاهل الرسالة الأخلاقية التي تحملها الرواية، أو الابداع الباهر الذي تميزت به من النواحي الجمالية، يمكن القول إن بوسع كل من يقرأ هذه الرواية أن يستخلص منها شيئا جديدا. غير أن البحث عن دروس الحياة أصبح ممارسة أقل فأقل شيوعا بمرور الزمن. ولكن دعونا أن لا ننسى أن الأدب الحقيقي مثل رواية (أن تقتل طائرا بريئا) أدب حي ومؤثر في كل حين، وأنه، في أيامنا، لابد أن تكون رسالة أتيكوس فينتش مسموعة في خضم الصراعات المحتدمة في عالمنا الراهن.

إن فكرة أن الأطفال يعانون في مختلف أرجاء العالم بسبب الحروب والاستبداد وغياب العدالة، وهي فكرة مفجعة ومحبطة، ستكون، بالتأكيد، متبناة من أتيكوس فينتش لو أنه كان يعيش في زماننا، ولا يمكن تصور أنه سيشعر بالارتياح عندما يعلم أن الأبرياء يعانون من المظالم. ولابد أن يدافع أتيكوس عن القضايا الجديدة، الراهنة، التي لم يتسنَ لهاربر لي أن تأخذها بالحسبان عندما كتبت روايتها.

وتصور هاربر لي الصراع الاجتماعي عبر روايتها مركزة على تجسيد التفاوت الطبقي. فأفراد عائلة كننغهام ينظر إليهم كمزارعي ريف، بينما جاء أتيكوس من سلالة أخرى من الرجال. ويكشف هذا عن حقيقة وجود لا مساواة طبقية في ميكومب، حيث هناك أناس، مثل أتيكوس المحامي، يتمتعون بمكانة أعلى في المجتمع. وعلى الرغم من أن أتيكوس رجل طيب، فان شقيقته ألكساندرا فينتش تزدري الطبقة الدنيا عندما تصف عائلة كننغهام بـ"النفاية". وهذا يشير إلى الكيفية التي يقسم بها التمييز الطبقي الأفراد حتى وإن كانوا من البلدة نفسها.

ومعلوم أنه قبل الحرب الأهلية كان الملايين من السود محرومين من الحرية ومن حق التصويت، ولكن الرجال البيض من الطبقة الدنيا كانوا يتمتعون بذلك الحق. وفي بدايات القرن العشرين كان السود، الخاضعون لقوانين العبودية، محرومين من حقوقهم، فقد جرى إصدار أوامر بالفصل بين الطلاب البيض والطلاب السود في المدارس، وفي النقل، وفي الأماكن المختلفة.

آصرة العرق والطبقة  

تركز هاربر لي في روايتها على الكشف عن التراتبية الاجتماعية في ميكومب، والكيفية التي يمسك فيها بالسلطة أولئك الذين يهيمنون على وسائل الانتاج، ويتحكمون بالأوضاع الاجتماعية وآيديولوجيات المجتمع. وتستخدم الطبقات ذات الامتيازات سلطتها للحفاظ على النظام الاجتماعي القائم. ويمكننا أن نرى هذا الاستغلال في التعامل الجائر مع توم روبنسون الذي يحرم من العدالة بسبب انتمائه العرقي ووضعه الاقتصادي.

وفي الجنوب الأميركي لم يكن العرق مجرد انتماء اجتماعي، وانما أداة فعالة للحفاظ على التفاوت الطبقي، حيث العزل بين ذوي الامتيازات البيض وبين السود المهمشين. ويضيء التمييز العنصري ضد توم روبنسون نقطة التقاء العرق والطبقة في النظام الاجتماعي.

وفي الرواية يجسد أتيكوس فينتش النزاهة الأخلاقية وتحدي الوضع القائم، وهو ما يمثل أفق التغيير الاجتماعي. فدفاعه عن توم روبنسون يسلط الضوء على نقد الرواية للظلم الاجتماعي. وترمز سكاوت وشقيقها جيم إلى براءة الشباب، وإلى اليقظة التدريجية تجاه حقائق الظلم الاجتماعي.

وفي الرواية يتجسد الاغتراب في المجتمع عبر شخصيتي آرثر رادلي وتوم روبنسون وأساليب التعامل معهما. وفضلا عن ذلك تستكشف هاربر لي فكرة فقدان الهوية عبر الطفلة سكاوت فينتش، التي نجدها بريئة في بداية الرواية، ومعرضة، في نهاية الرواية، لما هو خيّر وما هو شرير، وتواجه مسألة فقدان براءتها.

إن قراءة رواية (أن تقتل طائرا بريئا) تثير إعجابنا بالتصوير الموضوعي الدقيق للنزعات القبلية في المجتمع الأميركي في مظاهرها الرئيسية الثلاثة: العرق والطبقة والمكان. ويمكن القول إن رواية هاربر لي تتسم بالقدرة على إضاءة القضايا الاجتماعية، وتبتعد عن مجرد الاختفاء خلف الجماليات. كما أنها لم تخلق شخصيات مقدسة، على الرغم من أن أتيكوس فينتش يقترب من هذه الحالة. إنها تجعل الشخصيات أكثر تعقيدا بحيث أنه بينما تكون سكاوت الراوية المحبوبة، التي تدين عائلتها السلوك العنصري، فإنه من غير المسموح لنا أن ننسى أنها وعائلتها يستفيدون من امتياز كونهم من البيض.

ويبقى الكلام الآسر هو ما قاله المتهم الأسود توم روبنسون في رد على سؤال حول سبب خوفه على الرغم من براءته: "لو أنك كنتَ زنجيا مثلي لشعرت بالذعر أيضا". وهذا الكلام البسيط يكشف ما يريد القارىء معرفته حول النظام الذي ترتاب به هاربر لي، والذي تكون فيه صفة اللون الأسود مرادفة للذنب.

بين فوكنر ولي

وإذا كان المؤرخ الآخر، الذي وثّق تاريخ الجنوب الأميركي هو الروائي العظيم ويليام فوكنر يكتب عن العنصرية وتداعيات ما بعد الحرب الأهلية في الجنوب، وتفشي العنف والاضطرابات التي ميزت تاريخ المنطقة، فإن هاربر لي تكتب بأسلوب مختلف تكون فيه العنصرية مؤسسة خاضعة للتساؤل والارتياب، مقدمة منظورا أكثر مباشرة ووعيا أخلاقيا للقضايا الاجتماعية. ولعله من الهام، في هذا السياق، أن نشير إلى أن الفترة بين استكشاف ويليام فوكنر الرائد للتدهور في ماضي الجنوب الأميركي، ومشاركة هاربر لي الأكثر مباشرة في عصر الحقوق المدنية، شهدت تحولا في الأدب الجنوبي بالانتقال من الموضوعات المعقدة والغريبة، غالبا، إلى مواجهة أكثر وضوحا مع العنصرية ودعوة إلى العدالة الاجتماعية. غير أن كلا الروائيين بقيا، بالطبع، متجذرين بعمق في التعقيدات الثقافية والتاريخية للجنوب. فقد ركز فوكنر على الأعباء السايكولوجية للتاريخ والإرث العائلي، مستخدما تقنيات مبتكرة لتصوير منطقة في حالة تدهور، بينما استكشفت هاربر لي موضوعات التعصب العنصري والأخلاقية من خلال منظور فقدان الطفل للبراءة، مانحة أملا لمستقبل أكثر تنويرا.

ومن ناحية أخرى فإن رواية (أن تقتل طائرا بريئا) تبدو قصة أخلاقية بسيطة للوهلة الأولى، ولكن نظرة أعمق في القراءة تجعل المرء يرى رواية أكثر تعقيدا. وفي هذه الرواية تتجلى السمات الجمالية في الرمزية التي تتجسد في الطائر كرمز للبراءة، والتوصيفات الحية لمدينة ميكومب، وتصوير بيت رادلي المشؤوم، واللغة التي تعكس منظور الأطفال المتغير بمرور الزمن، وكذلك في الأجواء المتناقضة للمدينة والتوترات في قاعة المحكمة.

وأخيرا، لابد من القول إن كثيرا من النقاد يعترفون بالرسالة الأخلاقية الملهمة للرواية، حيث يقدم أتيكوس فينتش مثالا على الشخصية الإيجابية الجريئة، بينما ينظر البعض إلى الرواية باعتبارها مساهمة في حركة الحقوق المدنية، تضيء بشاعة العرقية، وأوهام التمييز العنصري، وظلم التفاوت الطبقي.

الطريق الثقافي

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced