أرونداتي روي في مذكراتها: أمي ملاذ وعاصفة
نشر بواسطة: mod1
الأحد 02-11-2025
 
   
رضا الظاهر

في حفل إطلاق كتاب أرونداتي روي الجديد (الأم ماري تأتي إلي)، يوم الثالث من أيلول 2025، احتشد المئات في قاعة مريم العذراء بكلية سانت تيريزا في ولاية كيرالا، وكان هناك جمهور غفير يتابع الحدث عبر بث مباشر في الخارج. بدأ الحفل بشكل استثنائي، إذ صعد شقيق روي على المسرح لتقديم عرض موسيقي، افتتحه بأغنية (دعها تكون) لفرقة البيتلز، قبل أن ينتقل إلى أغنية (الأم) لفرقة بينك فلويد. وقد صدح: "يا أمي، هل تعتقدين بأنهم سيحبون هذه الأغنية؟" .. كان ذلك وداعا مؤثرا للأم ماري روي، الشخصية الاستثنائية في حياتها، وفي الكتاب.

وأرونداتي روي كاتبة هندية ذائعة الصيت، ولدت عام 1961 في مدينة شيلونغ بالهند لأم مسيحية سريانية ناشطة في مجال حقوق المرأة، وأب بنغالي يعمل في زراعة الشاي. وقد اشتهرت بروايتها (إله الأشياء الصغيرة)، التي فازت بجائزة بوكر عام 1997، والتي ترجمت الى أكثر من 50 لغة. وقبل أن تصبح روائية عملت في مجال الهندسة المعمارية، وكتبت سيناريوهات لأفلام ومسلسلات تلفزيونية، كما عملت ممثلة وناقدة سينمائية. وظهرت روايتها الثانية (وزارة السعادة القصوى) عام 2017.

وهي شخصية يسارية وناشطة سياسية واجتماعية بارزة في مجال حقوق الانسان والبيئة، عرفت بمواقفها النقدية تجاه القضايا الاجتماعية في الهند وفي العالم، وقد كتبت الكثير من المقالات السياسية والاجتماعية، التي خصص الكثير منها لنقد العولمة والنيوليبرالية. وفي حفل إطلاق كتابها الجديد لم تكتفِ أرونداتي روي بالحديث عن تجربتها الأدبية ومذكراتها الجديدة، بل وجهت رسالة سياسية جريئة ضد الحرب في غزة، وقالت إن "الولايات المتحدة تساعد في أكبر إبادة جماعية في التاريخ". وأضافت: "لا أستطيع أن أشارك في أي منتدى دون أن أعلن تضامني مع غزة".

وقبل أن نتناول هذه المذكرات بالتحليل النقدي لابد من الإشارة إلى أن النقاد أشادوا، في مواقع كثيرة بينها صحف بريطانية مثل الغارديان والتلغراف، بقدرة الكاتبة الجمالية الفائقة وتصويرها الثاقب لعلاقتها مع أمها المتسلطة ماري روي، والتي شبهتها الكاتبة بـ"علاقة محترمة بين قوتين نوويتين". وقد أضاء نقاد بريطانيون مزيج المذكرات من الوضوح السياسي والبصيرة الشخصية، واعتبروا المذكرات بمثابة قصيدة للحرية، وإشادة بـ"الحب الشائك والنعمة الوحشية".

وفي تحليلنا النقدي لابد أن نرى، ابتداء، الكيفية التي تصوغ بها البنى الطبقية والاستغلال الاقتصادي والآثار المتبقية من الكولونيالية حياة الأفراد والعلاقات بينهم. ويمكن تفسير هذه المذكرات عبر منظور الصراع الاجتماعي (هروب ماري روي من الفقر، وتأسيسها لمدرسة ناجحة كوسيلة للتعبئة الاجتماعية والتغلب على القيود الرأسمالية)، والاغتراب (المسافة العاطفية المعقدة والمعاناة داخل الوحدة الأسرية)، والنقد الثقافي (كشف المذكرات للكيفية التي تؤبد بها المعايير والقيم المجتمعية، وتأثير السياق الاجتماعي الاقتصادي للهند ما بعد الكولونيالية، حيث مزيج البطرياركية التقليدية والرأسمالية الناشئة، وتجليات اللامساواة الجندرية والمعاناة الاجتماعية).

وتقدم مذكرات أرونداتي روي نظرة صميمية إلى علاقتها المعقدة مع أمها، ماري روي، النسوية الجريئة التي واجهت بمفردها الكنيسة والمجتمع المسيحي وعائلتها من خلال تحدي قانون الميراث المسيحي في ترافنكور للمطالبة بحقوق متساوية للنساء المسيحيات في ميراث عائلاتهن.

إن أول كتاب لروي بعد كتابها الصادر عام 2020 بعنوان (آزادي: الحرية. الفاشية. الخيال)ن هو كتاب المذكرات هذا، الذي تبدأ أحداثه منذ ما يقرب من ستة عقود وتنتهي بوفاة أمها في أيلول 2023. وكانت روي في عمر الثالثة تقريبا وشقيقها أكبر منها بعام ونصف، عندما تركت أمهما زوجها المدمن على الكحول، وكان يعمل مديرا لمزرعة شاي في ولاية أسّام. ولم يكن لدى ماري روي أموال أو ممتلكات. وكانت السنوات التالية من العيش كـ"لاجئين" تحت سقف شخص آخر، كما تكتب المؤلفة، بمثابة الجولات الأولى للروح الإبداعية للأم وطفليها.

وهذا الكتاب، الذي هو حوار حقيقي بين روي وأمها، يتخذ مسارا عاطفيا وفلسفيا، ويكشف عن عالم أوسع من الصداقة، والعمل الإبداعي، وروابط طويلة الأمد مع كتاب وممثلين مشهورين ساهموا في تشكيل حياة المؤلفة وشخصيتها. وفي هذه المذكرات التي تبلغ 372 صفحة تربط روي الماضي والحاضر في شبكة جامحة من المعاصرة. وتختتم الكاتبة تقلبات حياتها في لوحة واسعة من أوديسة أدبية، كاشفة عن تأثير أمها العميق عليها.

وتكتب المؤلفة قائلة "في كثير من الأحيان وجدت نفسي أتمنى أن أكون تلميذتها لا ابنتها". لقد كانت روي طفلة جاءت إلى العالم، كما تروي، على الضد من رغبات أمها في التخلص من الجنين. ولم تكن الطفولة سهلة بالنسبة لروي وشقيقها. وبين البحث عن سقف جديد فوق رؤوسهم ونوبات الربو المنهكة التي تعاني منها تخلت ماري روي عن المودة من أجل الفطنة. وفي أوتي ستجد ماري روي الشرارات الأولى لمهمة حياتها لتعليم الأطفال كمعلمة في المدرسة، وفي الوقت نفسه كانت تشجع ابنتها على الكتابة. وكانت روي ماتزال طفلة صغيرة عندما ألقت جدتها وعمها قانون ميراث ترافنكور المسيحي بوجه أمها لطردها من منزلهما في أوتي. وبعد سنوات مديدة ألغت المحكمة العليا القانون نفسه بناء على التماس قدمته ماري روي.

لقد جاءت الحياة في أيمينين بعد الحياة في أوتي، وأيمينين قرية تقع على ضفاف نهر مينا تشلي في مقاطعة كوتايان بولاية كيرالا، حيث تشكل مياهها وأسماكها آصرة أبدية مع الشابة روي. وتتكامل الشخصيات من الطبيعة مع طائفة من العلاقات في الغالب، وكثير منها جزء من رواية (إله الأشياء الصغيرة). وأثناء زيارة منزلها في دلهي أحضرت لها ماري روي آلة كاتبة قديمة كانت تستخدمها لكتابة صفحات من نصوص أفلام روي مثل (آني تعطيها تلك الأشياء) وقد فازت عليه المؤلفة بجائزة الفيلم الوطني. وفي روايتها الأولى أرادت روي أن تحاول "كتابة ما يعاكس السيناريو"، كتاب بصري عنيد ولكنه غير قابل للتصوير كفيلم.

أمي كانت ملاذي وعاصفتي

إنها قصة ماري روي، أمها القوية والمتقلبة، الأيقونة النسوية، والمعلمة المرشدة، وغريبة الأطوار، والمتنمرة، والملهمة. وهي امرأة، كما تصفها ابنتها "كانت ملاذي وعاصفتي". كانت أرونداتي روي قد حققت إنجازات فنية متنوعة مميزة قبل أن تتحول إلى روائية. وأحرزت روايتها الأولى، وهي ملحمة عائلية مستوحاة من الطفولة، جائزة بوكر عام 1997، كما أشرنا، وقد أشاد بها جون أبدايك باعتبارها "الظهور الأول الشبيه بتايغر وودز"، لاعب الغولف الأميركي الشهير، وجعلتها تلك الرواية أحد المشاهير وهي في عمر السادسة والثلاثين. وباعت الرواية منذئذ ما يزيد على ستة ملاين نسخة فجعلت منها كاتبة ثرية. ومنحتها الجائزة "حرية العيش والكتابة وفق ما أرغب"، كما تقول. وبعد عشرين عاما من كتابة المقالات، التي هزّت الرأي العام وأكسبتها الاحترام والشهرة، أصدرت روايتها الثانية (وزارة السعادة القصوى)، قبل أن تعود إلى مذكراتها الحالية.

إن (الأم ماري تأتي إلي) ليست سيرة ذاتية وإنما تقرير أولى حول علاقة أم بإبنتها. كان العيش مع أمها فعل بقاء، وهي تقول عن طفولتها "كان نصفي يتلقى الضربة والنصف الآخر يأخذ الملاحظات". وتقول إن الأمر انتهى بها إلى كتابة "تقرير عن القلب".

إن علاقة روي المتناقضة، المتسمة بالحب والكراهية مع أمها المحبوبة في المدرسة، ولكن المتسلطة في البيت، هي في مركز مذكراتها المدهشة.

لقد هربت ماري روي من زواجها، وأخذت طفليها الصغيرين إلى كيرالا جنوب الهند، وأسست مدرسة كانت جديدة وناجحة بالنسبة لمكانها وزمانها. وتكتب روي قائلة "كانت متحدّية في معتقدها بأن الأولاد والبنات يجب أن يلعبوا ويدرسوا وينشؤوا مع بعض"، وتضيف "إنها جعلت مهمتها تحرير الأولاد من شعورهم بالحق الذي وهبه الله لهم".

إن هذه المذكرات ليست سيرة تقليدية، وتقول روي "إنها تدور حول أمي .. حول الكيفية التي جعلت فيها مني الكاتبة التي أنا عليها اليوم". وتصف روي الكتابة بأنها فوضوية فتقول "أنا أخربش وأرسم، لكنني أنتقل بسرعة إلى الكومبيوتر. ظننت أنني سأكتب المخطوطة كاملة بخط اليد، لكنني توقفت عند الفقرة الثالثة". استغرقت كتابة مذكراتها عامين، لكنها تقول إن الكتابة هي ما يبقيها على قيد الحياة "هل تخيلتم كم سأشعر بالضيق لو لم أكتب؟ إن ذلك سيقتلني". ويلفت الانتباه قولها عندما أحرزت جائزة بوكر "لم أفقد بعد هذا الشعور الحقيقي الملموس للغاية، بحيث أنه في كل مرة كنت أتلقى التصفيق، كان هناك شخص آخر يتعرض للضرب في غرفة أخرى".

واجهت روي دعوى قضائية بتهمة "معاداة الوطن ومعاداة الإنسانية". وقد سألها أحد أصدقائها النقاد قائلا: "بعد عقود من الكتابة عن السدود الكبرى، وكشمير، والأسلحة النووية، والصرعات الطبقية، والمتمردين الماويين، هل يعني غياب التغيير عبثا، أم أن المثابرة نفسها تصبح هي الهدف؟" فأجابت قائلة :"أنا شخص يعيش مع الهزيمة. الأمر لا يتعلق بي، بل بالأشياء التي كتبت عنها، تلك التي تحطمت مرات عديدة. هل يجب أن نصمت لأن شيئا لم يحدث؟ كلا، علينا أن نواصل ما نفعله. نحن بحاجة إلى النصر. وحتى إذا لم نحققه فإننا بحاجة إلى مواصلة الطريق".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطريق الثقافي – العدد 172 – 3 تشرين الثاني 2025

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced