قبل عشرة أعوام اختار موقع الثقافة في (بي بي سي) العام 1925 باعتباره "العام الأعظم" بالنسبة للأدب. وربط كثير من نقاد الأدب ومؤرخيه هذه السمة بالكتب التي نشرت خلال ذلك العام، والتي ماتزال تواصل إضاءة المشهد الثقافي والأدبي، ممارسةً تأثيرها على الأجيال اللاحقة من الكتّاب والقراء، وموسّعةً حدود الشكل والأسلوب السردي، ومحتلةً مكانتها في تاريخ الأدب، وجاعلةً من ذلك العام ذروة الحداثة الأدبية.
وفي سياق سعينا إلى الإجابة على سؤال: لماذا يعتبر العام 1925 العام الأكثر تميزا في تاريخ الأدب؟ نحاول أن نقدم إضاءات موجزة لبعض الأعمال الأدبية التي نرى أنها الأكثر تأثيرا من الناحية الجمالية، وربما الأكثر تأسيسا للحداثة الأدبية:
(السيدة دالواي) لفرجينيا وولف:
تعتبر رواية (السيدة دالواي) لفرجينيا وولف عملا حداثيا يصور يوما واحدا في حياة كلاريسا دالواي، سيدة المجتمع اللندني، وهي تعد لحفلة، ناسجة أفكارها الداخلية وذكرياتها مع قصص الشخصيات الأخرى، خصوصا سبتيموس وارن سميث، المحارب المخضرم الذي يعاني من صدمة الحرب. وتستكشف الرواية موضوعات الزمن، والذاكرة، والهوية، والطبقة الاجتماعية، والمرض العقلي، والتأثير الدائم للحرب العالمية الأولى. ويشكل يوم كلاريسا، العادي على ما يبدو، خلفية للتأملات العميقة حول اختياراتها الماضية، وعزلتها، وظروف الحياة الحديثة، وهو ما يبلغ ذروته في تقاطع دراماتيكي مع قصة سبتيموس، عندما يجري الإعلان عن انتحاره في الحفلة.
وتستخدم فرجينيا وولف، في روايتها التي اعتبرت واحدة من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين، تقنية تيار الوعي لمحاكاة تدفق الفكر والسرد المبتكر التي كانت ثورية في زمنها، موفرة للقراء فرصة الوصول إلى ذكريات الشخصيات ومشاعرها.
(غاتسبي العظيم) لسكوت فيتزجيرالد
تجري أحداث رواية (غاتسبي العظيم) لسكوت فيتزجيرالد في عشرينيات القرن الماضي، وتروي قصة المليونير الغامض جاي غاتسسبي، وهوسه بالمرأة الجميلة المتزوجة ديزي بوكانان. وعبر الحفلات الباذخة، ومثلث الحب المأساوي، تستكشف الرواية موضوعات الحلم الأميركي، والثروة، والطبقة، والوهم مقابل الواقع، والتدهور الأخلاقي للمجتمع خلال فترة تحول واضطراب اجتماعي.
ويمكن اعتبار الرواية تعليقا على "عصر الجاز"، والنمو الاقتصادي غير المسبوق، والابتكار الثقافي، ومذهب المتعة، وظهور المال الجديد. وفي هذه الرواية ينتقد فيتزجيرالد التفاهة والغموض الأخلاقي.
(تراجيديا أميركية) لثيودور درايزر
تدور رواية (تراجيديا أميركية) لثيودور درايزر حول كلايد غريفث، الشاب ضعيف الارادة، الواقع تحت تأثير النزعة المادية المجتمعية، ورغبته في الثروة، والذي يرتكب جريمة للهروب من خلفيته البائسة، سعيا إلى حياة الترف. وتنتقد الرواية التفاهة، وفساد الحلم الأميركي، وتظهر كيف أن ذلك يمكن أن يدفع الأفراد إلى ارتكاب أفعال تدميرية.
إن كلايد، نفسه، متصدع، وأناني، وضعيف أخلاقيا، ويستهلكه الطموح، وهو مقنع ومنفّر في الوقت ذاته. ويعكس بحث فرايزر في تركيبته السايكولوجية تأثيرات فرويدية، خصوصا علاقة كلايد المتوترة مع أمه، وتركيزه على الثروة والمكانة الاجتماعية. وعلى الرغم من طول الرواية، وإثارتها الملل بمعنى ما، فإن سردها المتقن وعمقها السايكولوجي يجعلان منها رواية جديرة بالقراءة.
(في زمننا) لإرنست همنغواي
ساعدت المجموعة القصصية (في زمننا) لإرنست همنغواي، وهي أول كتاب له، على تأسيسه ككاتب حداثي رائد. وجسدت هذه المجموعة، التي تستكشف عواقب الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية التركية، عبر تصوير موضوعات الضياع، والموت، والحزن، والاغتراب، أسلوب همنغواي الذي يتسم بالتكثيف والإيجاز، مقدمة ما يسمى بنظرية "جبل الجليد"، مستخدمة لغة بسيطة لتصوير مشاعر جيّاشة.
وعبر هذه البنية التجريبية واللغة المتواضعة يقدم همنغواي معيارا جديدا للأدب الأميركي الحديث. وتعتبر هذه المجموعة، بوابة حاسمة لفهم سيرة همنغواي الإبداعية، وتقدم أمثلة تأسيسية لشخصياته وأسلوبه وموضوعاته. وقد شكلت تطورا هاما في الأدب الحداثي، وحققت لكاتبها سمعته كروائي واعد ومبدع، مارس تأثيرا عميقا على أدب القرن العشرين وكتّابه.
(تحويلة مانهاتن) لجون دوس باسوس
تعتبر رواية (تحويلة مانهاتن) لجون دوس باسوس رواية تجريبية تصور النمو المضطرب والنسيج الاجتماعي المعقد لمدينة نيويورك في بدايات القرن العشرين. ويتشابك السرد مع قصص مجموعة كبيرة من الشخصيات على خلفية تطور المدينة، باستخدام تقنيات مبتكرة مثل المونتاج السينمائي، والسرديات المجزأة، والأصوات المتنوعة لتصوير التجاوزات المادية للحلم الأميركي، واللامبالاة الاجتماعية، لتنتقد، في خاتمة المطاف، التجاوزات المادية للحلم الأميركي.
وتعتبر هذه الرواية من روائع الحداثة الأميركية، وعملا رائدا في هذا السياق، يتسم بالتقنية السردية المبتكرة، والتصوير الحاد للمدينة كقوة مركزية في حياة سكانها. وقد جرى تطوير تقنيات السرد التجريبي في (تحويلة مانهاتن) لاحقا في عمل دوس باسوس الملحمي (ثلاثية الولايات المتحدة الأميركية).
(أروسميث) لسانكلير لويس
تروي (أروسميث) لسانكلير لويس، الحائزة على جائزة بوليتزر، حياة مارتن أروسميث، الشاب الشغوف بالطب، والباحث الذي يكرس حياته للكفاح من أجل الحقيقة العلمية. وتسخر الرواية من الاحتيال الطبي والفساد الإداري، بينما تستكشف الصراع بين النزاهة العلمية والنجاح الدنيوي. وبمساعدة مرشد محترم يتغلب أروسميث على المعضلات الأخلاقية، وحياة حب معقدة، ووباء طاعون مدمر. ويختار، في خاتمة المطاف، التراجع عن الضغوط العامة لمواصلة البحث العلمي البحث.
وتعتبر (أروسميث) رواية علمية رائدة في تصويرها التفصيلي والواقعي للأحداث، والتصادم بين المثل العليا والنزعة التجارية، مما يكسبها راهنية في أيامنا.
(المحاكمة) لفرانز كافكا
(المحاكمة) هي رواية فرانز كافكا التي نشرت بعد وفاته. وهي رواية حول جوزيف ك الذي يستيقظ في أحد الأيام ليجد نفسه متهما بارتكاب جريمة مجهولة من قبل سلطة بعيدة لا يمكن الوصول اليها. وتتابع الرواية انحدار جوزيف إلى كابوس سايكولوجي، وهو يحاول أن يفهم البيروقراطية التافهة والمزعجة للنظام القضائي، ويقاوم بنية سلطة غير منطقية لا مفر منها.
وهذه الرواية، التي كتبت بأسلوب سوريالي، تعد من كلاسيكيات أدب الحداثة، إذ تقدم رؤية تنبؤية للبيروقراطية الحديثة، وصراع الفرد ضد نظام لا مبالٍ وغير مفهوم.
وتعتبر رواية (المحاكمة)، نصا مؤسسا للحداثة الأدبية، ومنجزا أساسيا في أدب القرن العشرين. وتفسر باعتبارها نذيرا بصعود الأنظمة الاستبدادية التي ظهرت بعد كتابة الرواية.
تأسيس فكرة الحداثة
لم يقتصر الأمر على الروايات المميزة التي ظهرت في ذلك العام. فقد كان هناك الكثير من المجلات والصحف وعروض الكتب، في وقت تزايد منافسة الأدب على الاهتمام الثقافي، حيث أصبحت السينما جزءا أكثر أهمية من غذاء الناس الروحي. وانطلق الراديو في البث الاذاعي، وكانت تقنيات التلفزيون تتقدم، غير أن الأدب كان مايزال هو الملك.
ويتعين علينا القول، أيضا، إن العام 1925 كان هاما، إلى درجة كبيرة، في دول أخرى في السياق الأدبي والثقافي والفكري: مؤلفات هامة لكتاب بارزين، عصر السينما الصامتة، نشوء مدارس واتجاهات فنية، تطور الموسيقى الشعبية، ظهور موسيقى الجاز، فضلا عن روائع في الموسيقى الكلاسيكية.
ومن الأهمية بمكان القول إن تلك الفترة شهدت تطورات اجتماعية وثقافية هامة. فقد حولت الحركات النسائية علاقات الجندر، وانتزعت حق التصويت.
لقد استمر اختمار الحداثة على إثارة النقاش، بينما كانت الثورة في جنس الرواية تزدهر. ويمكننا أن نرى، في الذكرى المئوية لهذا العام الرائع، بذور كل ناحية من نواحي الحياة الثقافية من الأدب والفن والمسرح والموسيقى والفيزياء والفلسفة والعلوم الاجتماعية والخطاب السياسي.
وكان عصر ما بعد الحرب بوتقة من التغيرات الجذرية، الاجتماعية والسياسية والثقافية والآيديولوجية والتكنولوجية. ووسط ظلال خيبة الأمل بالحلم الأميركي العظيم (وهو ما سماه إرنست همنغواي وجيروترود شتاين "الجيل الضائع") بدأ الكتاب تصوير موضوعات الفساد واللاأخلاقية، وكذلك استكشاف أساليب السرد المبتكرة.
إن صدمة الحرب العالمية الأولى تلقي بظلالها على الكثير من الروائع الأدبية، وقد كتبت وولف قائلة إن "هذا العصر المتأخر لتجربة العالم قد حفز في أرواحهم، جميعا، أرواح كل الرجال والنساء، بئرا من الدموع". وهذا ما يتجلى في خلفية الفكر والفعل. إنه قد لا يظهر ولكنه يلوح في الأفق على الدوام. وقد ذكر همنغواي في قصته (النهر الكبير ذو القلبين) أن القصة تدور حول العودة من الحرب، ولكن الحرب لا تذكر في القصة.
أعظم الأعوام
لعل من الأهمية بمكان أن نختتم مقالتنا هذه بالتذكير بمقالة الصحفية والكاتبة الأميركية جين سياباتاري، والتي نشرتها على موقع الثقافة في (بي بي سي) قبل عشرة أعوام، وفيها اعتبرت العام 1925 "أعظم الأعوام".
وقد فسرت اعتبارها هذا بالقول: "أولا عبر البحث عن مجموعة من الكتب المميزة، والإصدارات الأولى لروائع كبيرة نشرت في ذلك العام. وثانيا عبر تقييم تأثيرها الدائم، والتساؤل: هل تواصل هذه الكتب إبهار القراء واستكشاف معضلاتنا ومسراتنا بطرق مميزة؟ هل الكتب التي نشرت في هذا العام تغيّر مسار الأدب؟ وهل أثرت على محتوى وشكل الأدب، وقدمت ابتكارات أسلوبية رئيسية؟
يجمع النقاد والباحثون على أن الكتب المشار اليها تستوفي هذه المعايير، ويؤكدون على أن العام 1925 هو لحظة ذهبية في التاريخ الأدبي لأنه "خلق تدفقا ثقافيا نابضا بالحياة، وكثيرا من الكتب التي تعد معالم أدبية، وتحولا نموذجيا في أسلوب الكتابة" كما تقول سياباتاري، وتضيف "إن الأعمال الأدبية في ذلك العام صورت العالم في أعقاب اضطراب عظيم"، مشيرة الى صدمات الحرب العالمية الأولى التي انعكست في كثير من تلك الروايات، والتحول من الواقعية والطبيعية إلى الحداثة، وتجارب بعض الكتّاب مع اللغة، وتأسيس مجلة (نيو يوركر)، والإثارة الثقافية في فترة ما بعد الحرب، وهي "عصر الجاز" حسب تعبير فيتزجيرالد.
المصدر: الطريق الثقافي