عندما يلتقي الشعر بالتاريخ، وتتنفس الحروف من عمق الالواح السومرية الاولى، يأخذنا ديوان
الشاعرة الكبيرة دنيا ميخائيل"ألواح: أسرار الطين" في رحلة فريدة نحو الجذر الاول للكلمة.
في هذا العمل الشعري المدهش، تستحضر دنيا ميخائيل ذاكرة الانسان الاولى حين كان الطين
مادة الخلق والكتابة معا. فتمزج بين الاسطورة والتامل وبين الحنين والمنفى، لتصوغ نصا
تتحاور فيه المسماريات مع الحس الانساني، والرموز القديمة مع قلق العصر الحديث. حواري
معها هو لكشف وقراءة تلك الاسرار التي اختبئت بين طبقات الطين وللاستماع الى صوت
الشعر وهو يستعيد حكاية الانسان منذ بدايتها الاولى.
من أين انبثقت فكرة ديوان ”ألواح: أسرار الطين“؟ وهل جاء العنوان من الهام شعري أم من
تأمل في التاريخ الرافديني؟
انبثقت الفكرة من لقاء بين الطفلة التي كنتُها على سطح بيتنا في بغداد، تستمع إلى حكايات
جدتها، وبين الشاعرة التي صرتُها لاحقاً. كنتُ أبحث عن مادة أولى تعيدني إلى ذلك الطين الذي
خُطّت عليه أقدم الكلمات. أما العنوان فجاء من منطقة رمادية تتقاطع فيها المعرفة بالحدس،
والتاريخ بالحلم.
هل اختيارك للطين كمحور رمزي في الديوان هو حنين للماضي أم محاولة لإعادة صياغة
الحاضر؟
الطين بالنسبة لي ليس مجرّد حنين بل أداة لطرح أسئلة جديدة على الحاضر. الطين مادة قابلة
للتشكّل، تحتفظ ببصمات من لمسوهُ ومرّوا به. وهذا ما أردتُ فعله: إعادة تشكيل الحاضر
بأصابع الماضي، وترك أثرٍ شخصي في مادةٍ قديمة لكنها لا تزال نابضة بالحياة. الطين هو
الزمن نفسه، مادة تتذكّر ولا تكفّ عن التبدّل.
اللغة في ديوانك تجمع بين البساطة والعمق. كيف توفقين بين شفافية التعبير وغموض
الرمز؟
أعتقد أنّ المعنى كلما تعمّق احتاج إلى لغة أبسط، وعندما تبسط اللغة تصبح شفافة، وهذه
الشفافية لا تلغي الغموض، بل تجعله أكثر إشراقاً. أحاول أن أكتب كما تُكتب العلامات على
الطين: جملة قصيرة تحمل وراءها ظلاً كبيراً. الرمز عندي ليس لغزاً يُحلّ، بل باباً يُفتح، وعلى
القارئ أن يقرّر إلى أين يقوده.
المرأة لها حضور قوي في ديوانك. كيف تفسرين هذا الاهتمام؟
المرأة في هذا الديوان ليست شخصية واحدة بل نساء عديدات: إنخيدوانا، جدّتي، صديقاتي،
النساء المجهولات اللواتي مررن بالحروب والمنفى. حضورهن تعويض عن غياب طويل،
ومحاولة لإعادة كتابة ما طُمِس أو هُمِّش. أكتب عن المرأة كإنسان كامل كما ينبغي لها أن تُرى.
الديوان يجمع بين الشعر والفن البصري من خلال الرسوم التي على شكل ألواح. كيف ولدت
لديك هذه الفكرة؟
ولدت الفكرة ببساطة لأن القصائد نفسها طلبت رسوماً. كنتُ أرى الكلمات تتخذ شكل خطوط
مسمارية، وكأن القصيدة أرادت للحظة أن تستعيد نبضها الأول. الرسم ليس زينة للنص بل
امتداد له، جزء من القصيدة نفسها. أردتُ استحضار ذلك الزمن ما قبل الكلمات، حينما كان
الإنسان يعبّر عن أفكاره بالرسم سواء اتقنه أم لم يتقنه.
كيف تقيّمين ديوانك؟ أعني هل هو امتداد لمشروعك الشعري الانساني أم تحول نحو شكل
جديد؟
أراه امتداداً وتحوّلاً في آن واحد. هو امتداد لأنه يستند إلى هاجسي الإنساني الدائم: البحث عن
معنى في الخراب واستعادة الصوت الإنساني. وهو تحوّل لأن الشكل البصري فيه فرض عليّ
كتابة مختلفة، كتابة تستجيب للطين وليس للورق فقط. إنه كتاب يواصل الطريق لكنه يسلك درباً
جديدة.
كشاعرة في المنفى، كيف يظهر هذا البعد في أسرار الطين؟
المنفى في هذا الديوان ليس جغرافياً فقط، بل زمني أيضاً. أنا أكتب من بعيد، لكنني أعود إلى
العراق عبر الطين الذي أعد تشكيل انتمائي إليه من خلاله. المنفى هنا ليس غياباً، بل وسيلة
لقراءة الوطن تحت ضوء آخر.
اعتمدت اليونسكو سطراً من كتابك كملصق تذكاري عالمي (ليكن الحب هو النظام العالمي
الجديد) ماذا يعني لك هذا التكريم؟
أراهُ تكريماً لفكرة قبل أن يكون لكتاب. فكرة أن الحب يمكن أن يكون دستوراً للعالم. حين
اختارت اليونسكو هذا السطر، شعرتُ بأن رسالة صغيرة خرجت من العراق، من الطين،
لتبحث عن مكانها في الوعي العالمي. هو اعتراف بأنّ الشعر، رغم هشاشته، يواصل عمله
بصمت وقوة.
شكرا لك ولحضورك الجميل في هذا اللقاء.
يبقى ديوان «ألواح: أسرار الطين» شهادة على قدرة الشعر على اختراق الأزمنة وإحياء الذاكرة
الإنسانية من رماد النسيان. فبين سطور دنيا ميخائيل يتجلى الإيمان العميق بأن الكلمة ليست
أثرا فحسب، بل فعلُ خلقٍ مستمرّ، وأن الحبّ، كما تقول في عبارتها التي اختارتها اليونسكو هو
النظام العالمي الجديد الذي ينبغي أن يحكم هذا الكوكب المرهق.
وهكذا تمضي دنيا ميخائيل في رحلتها الشعرية، كأنها تمشي في أثر الطين الأول، حاملة
سرَّه… وسرَّ الانسان معه.