يمتد تأثير الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف (1860-1904) الى ما هو أبعد من الأدب الروسي. فقد أسهمت مسرحياته في صياغة المسرح الحديث، وماتزال أساسية بالنسبة لنظرية الدراما والتمثيل والتدريب ودراسات الأداء في مختلف أنحاء العالم. ومايزال أسلوب تشيخوف في السرد القصصي، الذي يتسم بالعمق العاطفي، والعلاقات المعقدة للشخصيات، والمزيج المتناغم من التراجيديا والكوميديا، يأسر المخرجين والممثلين والجمهور على حد سواء. وتضمن قدرته على التجسيد الجمالي الرفيع لجوهر التجربة الإنسانية صدىً واسعاً لمسرحياته وقصصه عبر الثقافات والأجيال.
المسرحيات الأربع .. عواقب الصراع الاجتماعي
وتضيء مقاربة إبداعات تشيخوف (صدرت، مؤخراً، ترجمة أعماله السردية الكاملة عن دار الرافدين) تصويره للتفاوت الاجتماعي، والعواقب اللاإنسانية للمجتمع البرجوازي، مسلطة الأضواء على موضوعات الاغتراب والتسليع والتشيىء، ونقده للطبقة الأرستقراطية، والبرجوازية الاستغلالية الناشئة خلال مرحلة انتقال روسيا من الإقطاع إلى الرأسمالية.
ولعل مسرحياته الأربع (بستان الكرز، الخال فانيا، النورس، والشقيقات الثلاث) هي، وفقا لمعظم نقاد المسرح، الأكثر تألقاً في مسيرته الفنية.
فـمسرحية (بستان الكرز) هي نقد للصراح الاجتماعي والطبيعة التدميرية للرأسمالية، حيث تستبدل الطبقة الأرستقراطية المحتضرة (عائلة رانيفسكي) بالبرجوازية الاستغلالية الصاعدة (لوباخين)، والتي يرمز لها بيع بستان الكرز وتدميره لاحقاً لتحقيق الربح.
وتصور مسرحية (الخال فانيا) طبقة مُلّاك الأراضي المتدهورة، والتراتبية الاجتماعية، واللامساواة في روسيا أواخر القرن التاسع عشر. وتبرز المسرحية عبثية العمل الفكري للأكاديمي سيريبرياكوف، وعودة أبطالها إلى العمل في العقار كمحاولة لإيجاد معنى في ظل نظام الاضطهاد. وفي هذه المسرحية نجد شخصياتها عالقة في فخ أدوارها الاجتماعية وأغلالها الطبقية، وعاجزة عن تحقيق تغيير حقيقي أو التحرر من خيبة أملها.
وتدرس مسرحية (النورس) الكيفية التي تصاغ بها علاقات الشخصيات، وإخفاقهم من خلال الوضع الاقتصادي وآليات السلطة الاجتماعية في ذلك العصر. ويسلط هذا المنظور الضوء على قضايا الحراك الاجتماعي، واستغلال الشغيلة، والهيمنة البطرياركية التي يمارسها الرجال المتنفذون في بنية السلطة الاجتماعية.
أما مسرحية (الشقيقات الثلاث) فتضيء تدهور الطبقة الأرستقراطية الروسية، محللة الكيفية التي تؤثر بها القوى الاجتماعية والبرجوازية (ممثلة بالرجال العسكريين وكوليغين) والشغيلة (ممثلة بالطبقة العاملة الموجودة في الخلفية) على اغتراب الشقيقات ووعيهن الزائف. ويكشف عجز الشقيقات عن التحرر من ظروفهن الاجتماعية الآثار السلبية لنظام طبقي متدهور، حيث يجري كبت الرغبات بفعل البنى الاقتصادية والاجتماعية الراسخة.
مقاربة جمالية
تسعى أعمال تشيخوف إلى التصوير الموضوعي للحياة، الذي يتسم بإيجاز شديد، وعمق عاطفي، ومزيج فريد من الواقعية والحساسية. ولعل من بين أهم عناصر جماليات تشيخوف استخدام أسلوب سردي رقيق، واهتمام استثنائي بالحوار، وتجسيد أجواء عاطفية لنقل الحياة الداخلية المعقدة وسمات الواقع الاجتماعي. ويبرز هذا النهج التأثير العاطفي على الجمهور من خلال البناء المحكم للأحداث السايكولوجية، بدلا من الاعتماد على السرد القصصي المباشر أو الاستثمار الدرامي.
ويهدف تشيخوف إلى تصوير الحياة كما هي، ونقل العمق والمعنى من خلال الاقتصاد في اللغة والفعل، واستخدام الحوار لخلق توتر درامي، والكشف عن التيارات العاطفية الكامنة في شخصياته. وتركز جماليات تشيخوف على "الفردية الإبداعية" للشخصيات، واستكشاف فكرها وخيالها وعقلها الباطن، دون اختزالها إلى مجرد أنماط اجتماعية. ومن المفاهيم الجمالية الأساسية لهذه الجماليات نقل العمليات المادية (الأفعال على المسرح أو الكلمات المكتوبة) إلى الجمهور، على نحو يثير الاستجابة العقلية والعاطفية. ويعتمد النجاح الجمالي على مدى قدرة الجمهور على تجربة هذه التغيرات الداخلية. وهناك ابتعاد عن أساليب السرد التقليدية المبالغ في استخدامها.
ويمكننا أن نجد تطبيقاً لهذه المقاربة في الكتابة عبر التركيز على التفاصيل الدقيقة الملحوظة لبيئة الشخصية وأفعالها مما يسمح بانبثاق المعنى من هذه العناصر بدلاً من التفسير المباشر للمؤلف. وفي الأداء يسعى الممثل إلى "اتحاد" كامل مع الحياة الداخلية للشخصية، مما يوفر لمشاعرها وعقلها الباطن التدفق في الأداء، الذي يتضمن كلاً من الحدث المادي على المسرح والحدث السايكولوجي الذي يخلقه في ذهن الجمهور. وفي النقد الأدبي يجري تحليل الأعمال من خلال مراعاة تكامل متعة النص ومحتواه العاطفي (التقبل العاطفي)، ومعناه الفكري (النشاط المعرفي).
وبايجاز، فإن جماليات تشيخوف تسعى، في الجوهر، الى خلق تجربة عاطفية وفكرية عميقة لدى الجمهور من خلال تقديم الحياة بمنظور موضوعي يوفر للمشاهد القدرة على التأمل والتفاعل مع تعقيدات الحالة الإنسانية.
في القرن الحادي والعشرين
يعيد فنانو المسرح المعاصرون مسرحيات تشيخوف بأشكال ومشاهد جديدة، بينما يستكشف النقاد والباحثون تطبيقات جديدة لأساليب مايكل تشيخوف (1891-1955)، وهو ابن شقيق تشيخوف الأكبر وتلميذ ستاسلافسكي البارع، في التمثيل والإخراج المسرحي.
وقد شهدت مسرحيات تشيخوف تحولات جذرية، ومُنحت حياة جديدة من خلال عمليات الإعداد والتكييف. وتتضمن كتب هامة مثل (إعداد تشيخوف للقرن الحادي والعشرين)، الصادر العام الحالي 2025 عن دار مثيون دراما، وكتاب (تشيخوف للقرن الحادي والعشرين)، الصادر عام 2012 عن دار سلافيكا، مقالات كتبها نقاد وباحثون بارزون يحللون التأثير الدائم لعمل تشيخوف على الكتّاب والمسرحيين، ويستكشفون موضوعات المكان والزمان واللغة والطبيعة البشرية.
وماتزال مسرحيات تشيخوف تُدرّس وتُعرض حتى الآن بسبب أسلوبها "السهل الممتنع"، وفهمها العميق للحالة الإنسانية، وهو ماتزال أصداؤه تتردد لدى الناس في عصرنا. وقد حظيت أعمال تشيخوف، وخصوصا المسرحيات الأربع التي ذكرناها، بشعبية واسعة منذ أواخر القرن التاسع عشر. ولكن مع تفاعل موجة جديدة من صناع المسرح المعاصرين المتنوعين مع أعماله الأسطورية، يجري تحويل هذه الأعمال وإعادة صياغتها بأساليب جديدة وجريئة.
راهنية تشيخوف
ارتباطا باستكشافه للتجارب الإنسانية، والبحث عن معنى الحياة، وتعقيدات العلاقات، وصراعات الحياة اليومية، وتصويره الثاقب للناس العاديين، فضلا عن رمزيته وتركيزه على العمق السايكولوجي، يظل تشيخوف ممهداً الطريق للحركات الحداثية والوجودية. ومن نافل القول إن تعاونه مع ستانسلافسكي في مسرح موسكو للفنون ترك تأثيره العظيم على مقاربة المنهج السائد في الإخراج والتمثيل.
وتتجلى راهنية تشيخوف في موضوعاته الحياتية، وواقعيته السايكولوجية، وإضاءته الحياة الداخلية للناس العاديين، وتأمل شخصياته في أسئلة حول معنى الحياة، ونقله حقائق عميقة عن المجتمع والسلوك البشري .. كل ذلك على نحو يعكس مشاعر معاصرة حول إعادة تقييم خيارات الحياة. هذا ناهيكم عن مساهمة تقنياته الدرامية وتركيزه على العمق السايكولوجي في تمهيد الطريق لكتّاب المسرح الحداثيين، وتأثيره على تطوير أساليب التمثيل الحديثة.
وتعالج أعمال تشيخوف قضايا ماتزال راهنة اليوم كما كانت في روسيا القرن التاسع عشر. فمسرحياته تتعمق في العلاقات الإنسانية، وتصور الحب وخيبة الأمل وتعقيد الآليات العائلية. وتصور (الشقيقات الثلاث) و(الخال فانيا) عائلات تتوق إلى التغيير لكنها تشعر بأن ظروفها تحاصرها. ومن الطبيعي أن تلقى هذه الموضوعات صدى لدى الجمهور المعاصر، مما يحعل مسرحيات تشيخوف راهنة.
وكان تشيخوف بارعا في مزج الفكاهة بالحزن. ونجد في مسرحياته، التي غالبا ما توصف باعتبارها "تراجيديات"، الفكاهة الساخرة واللحظات العبثية. وهذه القدرة على مزج الكوميديا بالحقائق العاطفية العميقة هي أحد أسباب استمرار أعماله في جذب الجمهور في مختلف أنحاء العالم.
وينسب العديد من كتاب المسرح والمخرجين المعاصرين إلى تشيخوف تأثيره الكبير عليهم. فقد مهّد تركيزه على الواقعية، وسرد القصص المركز على الشخصيات، والتعقيد العاطفي، الطريق إلى مسرح حديث.
فلماذا ماتزال تتردد أصداء تشيخوف لدى جمهور المسرح اليوم، على الرغم من أنه كتب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ؟ لا ريب أن حداثة مسرحياته تعود إلى تصويره لتعقيد المشاعر الإنسانية، وتجسيده للتغير المجتمعي، اذ كتب في فترة تحول اجتماعي وسياسي شهدته روسيا، تشبه، إلى حد كبير، التحولات التي نشهدها في عالم اليوم، حيث تصارع شخصياته عدم الاستقرار الاقتصادي، وتغيرات البنى الطبقية، وغموض المستقبل، وهي قضايا راهنة.
وهكذا فإن مسرحيات تشيخوف تواصل اجتذاب الجمهور بسبب واقعيتها السايكولوجية، وعمقها العاطفي، واستكشافها لمواضيع خالدة. وسواء كان المرء يشاهد مسرحية (النورس) في مسرح تاريخي بموسكو، أو يستمتع بمشاهدة مسرحية (الخال فانيا) في مسرح ببغداد، فإن أعماله تبقى وثيقة الصلة بالواقع.
وبوسعنا أن نلخص الأسباب التي تدعونا إلى قراءة تشيخوف في أيامنا، بأنه كان يعرف ما الذي يجعل الناس يتحركون، وكان لديه حس فكاهة رائع، وقدرة على استكشاف الروح الإنسانية الغامضة. ويتسم تشيخوف بالإيجاز، وهذه إحدى أبرز سماته، ومن بليغ الدلالة أنه كان يقول: "الإيجاز شقيق الموهبة".
وتجدر الإشارة إلى أن مسرحيات (الشقيقات الثلاث)، و(بستان الكرز)، و(الخال فانيا)، و(النورس) عرضت جميعها، لأول مرة، في مسرح موسكو الفني الجديد، الذي يحمل اليوم اسم تشيخوف. وأدت أولغا كنيبر، الممثلة الشابة التي أصبحت زوجته، جميع الأدوار النسائية الرئيسية في تلك المسرحيات. وكان مخرجا المسرح الأسطوريان ستانسلافسكي ودانتشينكو يشاركانه التفكير، وقد ساهما معه في جعل الفن المسرحي أكثر قرباً من الناس، ومنحاه مكانة الفن العظيم الذي يجسد القيم الجمالية الرفيعة والملهمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطريق الثقافي – العدد 175 – 22 كانون الأول 2025