فرانكشتاين روايةً وفيلمًا: نقطة تحوّل في تاريخ الوعي البشري
نشر بواسطة: mod1
السبت 10-01-2026
 
   
ضفة ثالثة-فارس الذهبي

كانت سنة 1816 واحدة من تلك اللحظات التي تتشابك فيها الطبيعة والخيال والجغرافيا السياسية في شبكة يصعب فصل خيوطها. أوروبا ترتجف من برد غريب لا يناسب الصيف. السماء رمادية، الشمس شاحبة، والحقول عقيمة. كل ذلك كان أثرًا لبركان «تامبورا» في إندونيسيا، الذي انفجر عامًا قبل ذلك، نافثًا ملايين الأطنان من الرماد في طبقات الجو العليا، فتبدّل المناخ، وتحوّل صيف القارة إلى شتاء طويل. الناس رأوا في ذلك كارثة، أمّا الأدباء فرأوا بابًا يفتح على المجهول.

في قلب هذا المشهد، كانت ماري ولستونكرافت شابة في الثامنة عشرة، ترافق حبيبها الشاعر بيرسي شيلي إلى ضفاف بحيرة جنيف في سويسرا، حيث أقاما في فيللا قريبة من مقرّ اللورد بايرون، الشاعر الصاخب الذي أحاط نفسه دائمًا بهالة من الأساطير. الأمسيات في تلك الفترات كانت طويلة، عاصفة، باردة، وكأن الطبيعة تتآمر مع المزاج الرومانسي لتنتج شيئًا غير مألوف. اجتمع الأربعة— ماري، بيرسي، بايرون، والكاتب جون بوليدوري— في أمسية صاخبة من النقاشات والقصص. تطرّقوا إلى الأشباح، وقرأوا قصص أشباح ألمانية بسيطة، أحاطت دواخلهم المحاطة بالغرابة من هذا العالم المضطرب المتقلب، نفسيًا وطبيعيًا، تطرقوا للتجارب العلمية، حدود الحياة والموت، والإنسان الذي يطمح إلى ما هو أكبر من طاقته. بايرون اقترح لعبة بسيطة: تفترض أن يكتب كل منهم «حكاية رعب» خلال فترة إقامتهم. بدا الأمر دعابة، لكنها دعابة ستخلق بعد أسابيع أحد أشهر الأعمال في تاريخ الأدب. فرانكشتاين لماري شيلي، ومصاص الدماء لبوليدوري.

ماري لم تجد قصتها فورًا. كانت تتأمل، تنتظر شرارة. حتى جاءت ليلة سمعت فيها حديثًا بين زوجها وبايرون عن إمكان «إعادة الحياة» إلى الجسد الميت عبر الكهرباء، وهي فكرة كانت آنذاك جزءًا من تجارب علمية حقيقية. في تلك الليلة رأت حلمًا يقظًا: عالمًا ينحني فوق مخلوق صنعه بيديه، ثم تنفتح عينا المخلوق ليبدأ رعب لا يشبه ما في القصص التقليدية. قالت لاحقًا: "استيقظتُ مذعورة. تلك اللحظة ولدت فيها قصتي".

من هنا بدأت تكتب ملامح الحكاية. لم يكن الأمر مجرد رعب، بل محاولة لفهم الإنسان حين يحاول تجاوز حدوده الطبيعية. بيرسي شجعها وقرأ فصولها الأولى واقترح تعديلات لغوية، لكن العمل كان ملكها وحدها، من تخيلها وأسئلتها ورؤيتها. خلال أسابيع صاغت ملخص الرواية ثم شرعت في كتابتها الكاملة.

في 1817 أنهت المخطوطة، لكن نشرها لم يكن بسيطًا. امرأة شابة تكتب عملًا عن الموت، والعلم، والخلق، والتمرّد على الإله؟ هذا وحده كفيل بإثارة موجة شك. لذلك حين ظهرت الطبعة الأولى سنة 1818، كان الغلاف خاليًا من اسم المؤلفة. وُضع إهداء إلى والدها، وكتب الناشر اسم بيرسي شيلي في المقدمة بوصفه «المُراجع»، فظنّ الكثيرون أن الرواية من تأليف الرجل لا المرأة. هذا الالتباس ساهم في إشعال الفضول حول الكتاب.

أما الاستقبال النقدي، فكان أشبه بمبارزة فكرية. بعض النقاد رأى الرواية «حكاية استثنائية» تكشف طاقة تخيّل نادرة، وامتدحوا اللغة التي تمزج سردًا واضحًا مع أسئلة فلسفية عن العلم والأخلاق. نقّاد آخرون أطلقوا عليها أوصافًا قاسية، واعتبروها «عملًا مقزّزًا»، بل تساءل بعضهم إن كان «عقل المؤلف مريضًا مثل عقل بطله». حين عرفوا أن الكاتبة امرأة، تضاعف الهجوم؛ ليس لأنهم وجدوا الرواية ضعيفة، بل لأنها تحدّت حدود ما يُفترض أن تكتبه النساء في ذلك العصر.

لكن الجمهور كان له رأي مختلف. الرواية انتشرت بسرعة، وساعدها اقتباس مسرحي عُرض في لندن بنجاح ساحق سنة 1823. فجأة صار «الوحش» شخصية شعبية، والمختبر المظلم رمزًا لكل محاولة بشرية للعب دور الخالق. ماري شيلي أصبحت كاتبة حاضرة في النقاش الثقافي، مع أنها في البداية اختبأت خلف الغلاف، مراقبةً كيف يشقّ عملها طريقه في عالم لم يكن يتوقع الكثير من فتاة صغيرة.

تاريخ كتابة «فرانكشتاين» ليس مجرد قصة ميلاد رواية، بل ولادة نوع جديد من التفكير في علاقة الإنسان بالعلم وبنفسه. وسط صيف سويسري بارد، وأوروبا مغطاة بغبار بركان بعيد، وفي حضرة شاعرٍ متمرّد مثل بايرون، وجدت ماري شيلي نافذة فتحتها على مستقبل كامل من الأسئلة التي ما زالت تؤرّقنا حتى اليوم. أسئلة عن الخلق وتحدي الموت، وطهرانية البشر ومشروعية تحدي القدر. بينما وفي ذات السهرة السويسرية الغامضة ولدت الشخصية الثانية، مصاص الدماء، التي ستؤرق فكر القرن العشرين بذات الطريقة التي ستفعلها شخصية فرانكشتاين. فكانا توأمي الرعب الفلسفي الذين ولدا في يوم واحد. شخصية ترغب بالموت بسبب يأسها وشخصية تعيش مأساتها لأنها تعيش الخلود عبر مص دماء الأبرياء. شخصيتان سوف تحكمان عالم سينما الرعب والتشويق طويلًا، لتعبرا عقودًا من العمل حتى يومنا هذا، بكامل ألقهما وطزاجة أسئلتهما الفلسفية والوجودية.

كان فيلم «فرانكشتاين» لغويليرمو ديل تورو مشروعًا بدا واعدًا منذ اللحظة الأولى: مخرج يمتلك نزعة تخييلية عميقة، نص كلاسيكي يؤسس لثنائية الخالق والمخلوق، وعنوان فرعي («بروميثيوس الحديث») يُوحي بالتزام صريح بروح ماري شيلي لا بقشرتها السردية فقط. غير أنّ النتيجة على الشاشة جاءت أقل بكثير من الوعود، وأقرب إلى جمالية نتفليكس المعهودة منها إلى صرحٍ سينمائيّ قادر على حمل إرث الرواية.

الفيلم يعرض أسئلته الوجودية الكبرى على نحو عابر، كلمح البرق، ثم يتركها تتبخر. الفكرة المركزية في الرواية — السؤال عن حدود الخلق، وعن شرعية الإنسان في اللعب بدور الإله، وعن تمزّق المخلوق بين رغبته في الاعتراف وبين غضبه من أصل وجوده — كل هذه المسارات الفكرية تظهر في الفيلم ولكنها لا تُبنى، لا تتجذّر، ولا تتحوّل إلى محور دراميّ يشتغل عليه الفيلم كما يجب. ديل تورو يبدو كأنه يلمس الثيمات بيده من وراء الزجاج، ثم يتراجع بدافع الحفاظ على إيقاع إنتاجيّ سريع، أو ربما بسبب سطوة الشكل على المضمون.

تبدأ الرواية بحدث إطار مهم جدًا، هو رحلة الكابتن الإنكليزي روبيرت والتون، باعتقادي لا يمكن قراءة رائعة ماري شيلي من دون التعرض إلى شخصية هذا الكابتن الإنكليزي الذي تقوده رغبته في كشف وتبديد غموض هذا العالم الذي كان الإنسان في منتصف القرن التاسع عشر راغبًا في تطويع هذه الأرض واكتشافها وفك كامل شيفراتها عبر الدين الجديد الذي تبناه الإنسان العصري ألا وهو "العلم"، في تلك الفترة كانت المواجهة الحادة بين الدين والعلم في أشدها حيث كان الصراع متأرجحًا تارة نحو الدين، وتارة نحو العلم، حيث يشكك أنصار كل فريق بنوايا وتوجهات الطرف الآخر، وهذا بالتحديد ما أرادت ماري شيلي طرحه في روايتها العبقرية في تلك الفترة بدون أن ننسى أن عمرها حينها لم يتجاوز التاسعة عشرة. في ذلك القرن توالت ضربات العلم للدين، تشارلز داروين أطلق نظريته بعد عقود عن النشوء والتطور، وبدأ غريغور مندل بحوثه وتجاربه عن تهجين النباتات التي أفضت إلى اكتشاف علم الوراثة الجيني الحديث، من دون أن ننسى مساهمات فرويد في علم النفس وكشف ضبابية الروح البشرية، والقفزات العلمية والبحثية والأدبية.

من هذه الروح كانت شخصية الكابتن والتون في رواية "فرانكشتاين" وهو مغامر إنكليزي يسافر شمالًا نحو القطب المتجمّد. يكتب يومياته على هيئة رسائل يرسلها إلى أخته مارجريت في إنكلترا. طموحه العلمي كان متجسدًا في أن يصل إلى أرض لم تطأها قدم بشر، وأن يخلّد اسمه كمكتشف. هو ليس رجلًا متهورًا بالمعنى الساذج، لكن طموحه العلمي يكاد يعميه عن المخاطر.

خلال هذه الرحلة يمرّ بطورين متعارضين: في البداية، يعيش نشوة الاكتشاف، ويتحدث عن شغفه بالعلم والمجهول. لاحقًا، وتحت ضغط العزلة والجليد والمجهول الأبيض، يبدأ الشعور بالوحدة يضغط عليه. يفتقد وجود صديق "روح قرينة" كما يسميها، شخص يشاركه أفكاره ويخفّف عنه وطأة الطريق.

عند هذه النقطة بالذات يدخل فيكتور فرانكشتاين إلى حياته كأن القدر قد أرسل له تحذيرًا متجسدًا. يجده فريقه منهكًا فوق الجليد، نصف ميت، يلاحق مخلوقًا هاربًا. يعتني به والتون ويصبح شاهدًا على قصة فيكتور، تلك الاعترافات الطويلة التي تشكّل لبّ الرواية. يصغي الكابتن إليها بدهشة، ثم بخوف، ثم باستيعاب بطيء لتجربة عالمٍ دمّره شغفه. كما لو أنه يرى في قرينه هذا نفسه، ومستقبله.

والتون نفسه يتغيّر بفضل هذه الحكاية. الطموح الذي كان يقوده نحو المجهول يتحول إلى وعي بأن المعرفة بلا حدود قد تكون خرابًا. عندما يثور البحّارة ويطالبون بالعودة، يرضخ. لم يكن ذلك الاستسلام ضعفًا بل نوعًا من النموّ أو الأمثولة التي تعلمها من مأساة فيكتور بدلًا من أن يكررها.

قصته تصبح مفتاحًا لقراءة الرواية ككل: الإنسان الذي يطلب علمًا أكثر مما يستطيع قلبه أو مجتمعه تحمّل نتائجه. والتون نجا لأنه استمع، بينما فيكتور اختار طريق العمى.

الجميل في الأمر أن الرواية لا تقدّم والتون كضوءٍ أبيض خالص، بل كإنسان يحمل بذور تلك الرغبة الخطرة نفسها. وجوده في البداية والنهاية يجعل القارئ يرى كيف يمكن لشخص أن يقف على حافة الهاوية ثم يعود بفضل الاعتبار.

الأمر نفسه يحدث مع الدوافع العاطفية للدكتور فرانكشتاين. في رواية شيلي، وفي النسخة السينمائية التي حمل فيها روبرت دي نيرو دور المخلوق (إخراج كينيث برانا، 1994)، كانت حكاية الحبّ التي يخسرها البطل نقطة مفصلية: جرحًا أوليًا يبرر محاولته استعادة الحياة، وفعل الخطيئة التراجيدية التي تضع الشخصية أمام قدرها المحتوم. برانا بنى على ذلك بخط واضح؛ جعل الحبّ قوة دافعة، وثيمة قَدَريّة، ومكانًا تنهار عنده الحدود بين العلم والرغبة والجنون. ديل تورو، بالعكس، يمرّ على هذه اللحظة مرورًا عابرًا، كأنها تفصيل ثانوي، في حين أنها أصل المأساة ومحرّكها. مأساة الخالق الذي أراد أن يقهر الموت، فاستدعاه إلى حياته بأشكاله الأكثر وحشية.

من الناحية البصرية، تتكرر الإشكالية نفسها. ديل تورو يلجأ إلى الغرافيك والهندسة الرقمية بجرعة عالية، حتى يصبح الفضاء كله واقعًا شبه اصطناعي. صحيح أنّ الرجل معروف بقدرته على خلق عوالم غرائبية، لكن هنا تنقلب الغرائبية إلى تزيين زائد، إلى «كروما» تحجب نصًّا كان يحتاج إلى قسوة الضوء الطبيعي وبرودة الكهوف وألفة المختبر الحقيقي. القصة لا تحتاج إلى كل هذا التدخّل التقني، بل تخسر جزءًا من صدقيتها عندما تتحول المشاهد إلى لوحات لامعة، لا حياة فيها إلا قدر ما تسمح به الخوارزميات. وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: بدلًا من أن يتخفّف الفيلم من التكنولوجيا ليناسب كلاسيكية الحكاية، انغمس فيها حتى أصبح أسيرها.

مقارنةً بذلك، كانت نسخة دي نيرو/ برانا أقل اعتمادًا على المؤثرات، وأكثر ثقة بالصورة السينمائية المباشرة وبالاشتغال الجسدي للممثلين. كان هناك لحم ودم، حرارة، وأرضية واقعية تُسلّم المشاهد إلى الفكرة الفلسفية من دون أن تشتّت انتباهه. تراجيديا المخلوق الذي يتعلّم، ويغضب، ويطلب اعترافًا، بدت آنذاك أقرب إلى مفهومها الشيليّ الأصلي. كانت مأساة تُبنى على الشاشة، لا تُلمّح إليها.

يأتي ديل تورو هنا ليختار عنوان الرواية كاملًا، «فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث»، كأنّه يريد أن يقف في قلب النص، في روح الرواية، لكنه لا يدخل إليها. وفاؤه لبعض التفاصيل السردية ظاهر، لكنّ وفاءه لروح العمل باهت. لا التمرّد البروميثيوسي حاضر بعمقه، ولا الصراع بين الخالق والمخلوق يأخذ شكله التصاعدي الضاغط كما في النص الأصلي. ما يصل إلى الجمهور هو نسخة متقنة تقنيًا، جميلة في أحيان، لكنها مسطّحة من الناحية الفكرية، ولا تمتلك ذلك الوقع الذي يعيد تشكيل السؤال الذي طرحته ماري شيلي قبل أكثر من قرنين: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان نسخة مضطربة من إلهٍ صغير؟

في النهاية، يمكن القول إن فيلم ديل تورو متوسط الجودة: وفيّ لبعض البنية السردية، لكنه عاجز عن النفاذ إلى الروح العميقة للرواية. إنه فيلم يقدّم شكلًا جديدًا لكلاسيكية قديمة، لكنه يخفق في استعادة الجوهر. ولو سلك طريقًا أقل ازدحامًا بالمؤثرات، وأكثر ثقة بصلابة الصورة الكلاسيكية، ربما كان سيحقّق ما لم يحققه هنا: أن ينقل فرانكشتاين من جديد إلى الشاشة بوصفه سؤالًا فلسفيًا، لا مجرّد حكاية مُعاد تصنيعها داخل مختبر نتفليكس.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced