يتتبّع هذا المقال جريمة التحرش الجماعي في البصرة بوصفها ظاهرة بنيوية لا فعلاً فردياً، ويضعها ضمن سياق العنف الأسري المتصاعد، والإفلات من العقاب، وازدواجية الأخلاق التي تحمّل الضحية ثمن وجودها في الفضاء العام، بينما تترك الجناة بلا محاسبة..
لم تكن ليلة رأس السنة، التي يفترض أن تستقبل بالفرح بوصفها بداية جديدة، سوى لحظة كاشفة لانهيار عميق في منظومة الأمان الاجتماعي في العراق.
فجريمة الاعتداء الجماعي التي تعرضت لها فتاة أثناء الاحتفال في محافظة البصرة أقصى جنوب العراق لم تكن حادثة معزولة ولا فعلاً طارئاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التطبيع مع العنف ضد النساء، وصمت اجتماعي مزمن، وعجز قانوني عن الردع والحماية. ما جرى لم يكن اعتداء على جسد إنسانة فقط، بل صفعة قاسية لفكرة الفضاء العام الآمن، وامتحاناً أخلاقياً حقيقياً للحكومة والمجتمع معاً.
الجريمة بوصفها ظاهرة لا فعلاً فردياً
تكمن خطورة هذه الجريمة في كونها جماعية، وفي حدوثها في مكان يشهد احتفالاً عاماً، في فضاء مفتوح، وأمام أنظار الجميع. هذا وحده يكفي لإسقاط أي محاولة لتفسيرها بوصفها “انحرافاً فردياً”. نحن أمام سلوك جمعي له شرعية ضمنية في ثقافة تبرر الاعتداء، أو تلتزم الصمت حياله، أو تلقي باللوم على الضحية بدلاً من محاسبة الجناة.
السؤال الذي يتكرر بعد كل جريمة: “لماذا كانت هناك؟” ليس سؤالاً بريئاً، بل خطاب اتهام، ينقل الجريمة من يد المعتدي إلى جسد المعتدى عليها، ويمنح العنف غطاء أخلاقياً زائفاً. في هذا المنطق، يصبح وجود المرأة في الفضاء العام مخاطرة بحد ذاته، ويختزل حقها في الأمان بشروط السلوك والمكان والتوقيت.
إنذار مبكر لا يمكن تجاهله
لفهم جريمة ليلة رأس السنة لا بد من وضعها ضمن سياقها الأوسع. فالإحصائيات التي أعلنتها وزارة الداخلية تكشف أن العنف ضد النساء لم يعد حالات متفرقة، بل ظاهرة متصاعدة ذات طابع بنيوي. فخلال أربعة أشهر فقط من مطلع عام 2024، سجلت 13 ألفاً و857 دعوى عنف أسري، وهو رقم صادم بالنظر إلى قصر المدة الزمنية، ويعكس حجم العنف المتراكم داخل المجتمع.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن العنف البدني هو النسبة الأكبر من هذه الدعاوى، ما يؤكد أن الاعتداء الجسدي لا يزال النمط الأكثر شيوعاً للعنف، والأكثر تطبيعاً داخل الأسرة. هذا الواقع يكشف أن العنف الجنسي، بما فيه الاعتداء الجماعي، لا يحدث في فراغ، بل ينمو داخل بيئة تتسامح مع الضرب والإهانة بوصفهما “خلافات عائلية” أو “شأناً خاصاً”.
عدالة هشة ومسارات مغلقة
الأرقام لا تكشف فقط حجم العنف، بل تفضح أيضاً ضعف الاستجابة القانونية للضحايا. فبحسب وزارة الداخلية، أُخلي سبيل أكثر من ثلاثة آلاف متهم بكفالة، في حين لم تتجاوز الأحكام القضائية الصادرة مئة حكم فقط خلال الفترة نفسها. هذا التفاوت الكبير بين عدد الدعاوى وعدد الأحكام يسلط الضوء على هشاشة الردع، ويعزز شعور الإفلات من العقاب.
كما انتهت آلاف قضايا العنف الأسري بالصلح والتراضي، أو ما تزال قيد الإجراء، وهي مسارات غالباً ما تُفرض على الضحايا تحت ضغط اجتماعي أو عشائري، لا انطلاقاً من تحقيق العدالة.
في هذا السياق، لا يعود الصلح حلاً، بل يصبح شكلاً آخر من أشكال إسكات الضحية وإعادة إنتاج العنف.
العنف كنتاج لتحولات اجتماعية واقتصادية
تؤكد دراسة أعدتها مديرية حماية الأسرة والطفل على مدى خمس سنوات، من 2019 إلى 2023، أن تصاعد العنف مرتبط بجملة عوامل مركبة، في مقدمتها الأزمات الاقتصادية، وتغير البنى الاجتماعية، والفهم الخاطئ للدين، وتفشي البطالة، إضافة إلى الانفتاح غير المنضبط على وسائل التواصل الاجتماعي، وما رافقه من تفكك في منظومة القيم والعلاقات الأسرية.
هذه العوامل مجتمعة لا تنتج العنف دفعة واحدة، بل تهيئ له أرضية خصبة يتحول فيها القمع الجسدي والنفسي إلى سلوك يومي، قبل أن ينفجر في جرائم علنية، مثل الاعتداء الجماعي في الفضاء العام.
النساء في قلب الاستهداف
تكشف الإحصائيات الرسمية أن النساء يشكلن الغالبية العظمى من ضحايا العنف الأسري، إذ بلغت نسبة الاعتداءات بحق الإناث 73 بالمئة، مقابل 27 بالمئة من الذكور. هذه الأرقام تدحض أي خطاب يحاول تصوير العنف بوصفه شاملاً، وتؤكد أن النساء هن الحلقة الأضعف في منظومة علاقات غير متكافئة.
كما تشير البيانات إلى أن العنف الجسدي هو الأكثر شيوعاً، في حين أن الاعتداء الجنسي يمثل نسبة أقل من الدعاوى المسجلة. ولا يعكس هذا “الانخفاض” بالضرورة واقع الجريمة بقدر ما يعكس حجم الصمت والخوف والوصم الاجتماعي المرتبط بالإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية.
من العنف الأسري إلى الاعتداء الجماعي
في ضوء هذه المعطيات، لا تعدُّ جريمة ليلة رأس السنة حدثاً استثنائياً، وإنما هي امتداد منطقي لمسار طويل من العنف غير المعالج. فالمجتمع الذي يتسامح مع آلاف حالات العنف داخل الأسرة، ويغلق الدعاوى بالصلح أو التسويات، هو ذاته الذي يفشل في حماية النساء في الشارع، ويفاجأ حين يتحول العنف إلى فعل جماعي علني.
يعاني المجتمع العراقي من ازدواجية أخلاقية فاضحة، إذ يطالب النساء بأقصى درجات الانضباط بينما يتسامح مع العنف الموجه ضدهن. تُرفع شعارات “الشرف” و”الغيرة”، لكنها تغيب عندما يتعلق الأمر بمحاسبة المعتدين أو الدفاع عن حق المرأة في الأمان.
وسائل التواصل الاجتماعي فضحت هذا الازدواج أكثر، فبينما عبّر البعض عن التضامن، تحولت منصات أخرى إلى محاكم شعبية مارست عنفاً رمزياً قاسياً، من خلال التشكيك أو التبرير أو حتى السخرية من الضحايا وما تعرضن له. هذا العنف الرقمي لا يقل خطورة عن الاعتداء الجسدي، لأنه يعيد إنتاج الصدمة، ويبعث برسالة واضحة لكل ضحية محتملة، مفادها أن الصمت تكلفته أقل من الكلام.
حماية ناقصة وعدالة متعثرة
ينظم قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 جرائم الاغتصاب وهتك العرض، لكنه قانون قاصر في مفاهيمه، لا يواكب التطور في فهم العنف الجنسي بوصفه جريمة ضد الكرامة الإنسانية. وغياب قانون حماية الأسرة والطفل يجعل الدولة تتعامل مع العنف كأثر جانبي، لا كأزمة تتطلب تدخلاً تشريعياً عاجلاً.
الأخطر أن القانون لا يوفر حماية كافية للضحايا خلال مسار التقاضي، ولا يضمن لها دعماً نفسياً واجتماعياً، ما يجعل الكثير من الجرائم تبقى خارج السجلات الرسمية.
الفضاء العام: لمن هو؟
تعيد هذه الجريمة طرح سؤال جوهري: لمن الفضاء العام في العراق؟ الواقع يقول إن النساء يدفعن ثمناً مضاعفاً مقابل وجودهن في الشارع أو في المناسبات العامة، يُنظر إلى وجود المرأة بوصفه “مشكلة محتملة” لا حقاً أصيلاً، بينما يتحرك المعتدون بثقة، محميين بثقافة التبرير وضعف المحاسبة.
ليست جريمة الاعتداء الجماعي في ليلة رأس السنة خبراً عابراً، بل مرآة صادقة تعكس ما وصلنا إليه. الأرقام الرسمية، سواء للعنف الجنسي أو الجسدي، تقول بوضوح إن ما نراه ليس سوى جزء من الحقيقة، أما الباقي فيعيش في الظل، خلف الصمت والخوف.
العدالة هنا ليست مطلباً قانونياً فقط، بل اختبار أخلاقي للمجتمع والحكومة، إما أن نقف مع الضحايا ونحوّل الغضب إلى تغيير، أو نواصل إنتاج الجرائم ذاتها، ونكتفي بالدهشة في كل مرة، وكأننا نراها للمرة الأولى.
تنشر هذه المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج“.