لطالما ظلّت منصات التتويج في مجالات التاريخ والسياسة والعلوم حكرًا على الرجال، إلى أن جاء عام 2024 ليُحدث تحوّلًا كبيرًا في المشهد العالمي بإطلاق جائزة المرأة للأعمال غير الروائية، استكمالًا للمسار الذي بدأته شقيقتها جائزة المرأة للخيال منذ عام 1996، حين وُلدت ردًا على تهميش الكاتبات في الجوائز الكبرى، قبل أن تنجح على مدار ثلاثة عقود في إعادة تشكيل الخريطة الأدبية عالميًا. واليوم، تُعيد النسخة "غير الخيالية" الكرة ذاتها، لتنتقل بالمعركة من ساحة الخيال إلى ميدان الحقيقة.
باريس آسيا الوسطى
ضمت القائمة القصيرة 6 عناوين بارزة، من بينها كتاب "أفضل فندق في كابول: تاريخ شعب أفغانستان" للصحافية الكندية لايس دوسيه، كبيرة المراسلين الدوليين في (BBC). تتخذ دوسيه من فندق إنتركونتيننتال كابول- ذلك الصرح الأبيض الذي افتُتح عام 1969 كرمز للحداثة- عدسةً سردية لرصد خمسة عقود من التحوّلات السياسية والصراعات التي عصفت بالبلاد. وعبر لقاءات إنسانية مع طهاة وعمال أصرّوا على الصمود رغم الحروب، تنسج الكاتبة حكاية يمتزج فيها المصير الفردي بالتاريخ الأفغاني الجمعي.
لا يقتصر الكتاب على رصد ويلات النزاعات، بل يفتح نافذة على تفاصيل الحياة اليومية، مستعيدًا زمن الازدهار حين كانت كابول تُعرف بـ«باريس آسيا الوسطى»، وصولًا إلى سنوات القصف والاضطراب. تحرص دوسيه على الاستعانة في كتابها بشخصيات مثيرة للانتباه، مثل حضرت، المدير المخضرم الذي يتمسك بقيم المهنة وتقاليدها، وعابدة، أول طاهية تلتحق بالفندق بعد سقوط طالبان، إلى جانب ملالاي وصادق اللذين يعكسان طموحات جيل كامل يسعى للنجاة وبناء مستقبل جديد.
رسائل من المنفى
من كابول إلى باريس، يمتد اهتمام الأدب غير الروائي بالمكان بوصفه شاهدًا على التاريخ وذاكرةً حيّة للإنسان. في كتابها «فندق المنفى» ترصد الكاتبة البريطانية جين روغويسكا- من خلال فندق Lutetia- التحوّل الرهيب للمكان عبر قرن كامل، من ملتقى لفناني البوهيمية الأوروبية ومثقفيها، حيث تناول أندريه جيد وجباته وأقام فيه جيمس جويس لفترة، وزاره بابلو بيكاسو وهنري ماتيس، إلى فضاء ثقيل بالأحداث السياسية. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، أصبح الفندق ملاذًا للمثقفين والناشطين الفارين من صعود النازية، ساعين إلى صياغة بدائل سياسية تحفظ ما تبقى من إنسانيتهم، قبل أن ينقلب المشهد مع احتلال باريس، حيث تحوّل المكان إلى مقر لجهاز المخابرات العسكرية الألمانية، مركزًا لعمليات ملاحقة الأعداء. ومع نهاية الحرب، يُعاد توظيف الفندق من جديد، ليغدو مركز استقبال للناجين العائدين من معسكرات الاعتقال، حاملًا على عاتقه ذاكرة الألم والأمل.
شملت القائمة أيضًا كتاب "أمة الغرباء" (Nation of Strangers) للمفكرة والروائية التركية إجه تميلكوران، وهي واحدة من أبرز الأصوات السياسية المعارضة التي اختارت المنفى في برلين للدفاع عن قيم الديمقراطية والحرية المفقودة. يقدّم الكتاب رؤية مؤثرة عن "المشردين أخلاقيًا وسياسيًا" في عالم يزداد وحشية، من خلال سلسلة رسائل حميمية تعكس رحلتها الشخصية كمنفية تركت وطنها قبل عقد من الزمن، لتتحول إلى "كاسندرا سياسية" تحذر من زحف الفاشية الذي يتسلل إلى المجتمعات المستقرة.
وصف النقاد العمل بأنه "أكثر كتبها طموحًا وإبهارًا"، واعتبرته صحف عالمية مثل "الغارديان" و"التايمز"، "الكتاب الأكثر إلحاحًا وضرورة في عصرنا". ويجمع بين شعرية اللغة ودقة الطرح، مقدمًا "ترياقًا للوحدة" وبحثًا عن معنى الوطن في روابط التضامن الإنساني.
فنانون في مهب الريح
في سياق مغاير، تصدّرت قائمة المرأة هذا العام، السيرة الملحمية «فنانون، أشقاء، أصحاب رؤى» (Artists, Siblings, Visionaries) للكاتبة والناقدة المرموقة جوديث ماكريل، وهي من الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة The Sunday Times.
يقدم العمل بورتريهًا للأخوين غوين وأغسطس جون، اللذين هزا أركان المشهد الفني البريطاني في مطلع القرن العشرين. تستعرض ماكريل ببراعة التناقض الصارخ وصراع "الصعود والانكسار" بين شخصيتين فريدتين؛ أغسطس، "الملك البوهيمي" المشهور بحياته العاصفة وعلاقاته المتعددة وشهرته الطاغية التي بدأت تخبو لاحقًا، وأخته غوين، الفنانة المنعزلة التي قضت عقودًا في ظله، ليتبين مع مرور الزمن أنها العبقرية الأكثر تجديدًا وعمقًا، وأن انكسارها الظاهري كان يخفي صعودًا فنيًا خالدًا. يعتمد الكتاب على مراسلات شخصية وأرشيفات لم تُنشر من قبل، تكشف عن تعقيدات علاقاتهما العاطفية، لا سيما هوس غوين بالنحات الشهير رودان، وتصادمها الدائم مع الأعراف الاجتماعية. وقد أثنت لجنة تحكيم جائزة المرأة للإبداع 2026 على العمل بوصفه "رواية واقعية مدهشة تعيد كتابة تاريخ الحداثة من منظور الأخوة والارتباط الإنساني المعقد".
على وتيرة مشابهة، تخلع الروائية العالمية أرونداتي روي عباءة الخيال لأول مرة في مذكراتها «الأم ماري تأتي إليّ» (Mother Mary Comes to Me)، لتواجه بشجاعة طيف والدتها الراحلة، الأيقونة النسوية والتربوية ماري روي. تلتقي روي مع غوين جون في نقطة البحث عن الهوية وسط سطوة الشخصيات الطاغية؛ مستحضرة تاريخًا عائليًا مضطربًا في ولاية كيرالا الهندية، وواصفةً والدتها بأنها كانت "مأواها وعاصفتها" في آن واحد. فهي المرأة التي هزت عرش القوانين البطريركية في الهند بصعودها النضالي، مع أنها مارست في الوقت ذاته سلطة عاطفية معقدة أدت إلى انكسار الرابط العائلي ودفعت ابنتها للهروب في سن الثامنة عشرة بحثًا عن استقلالها. وُصف الكتاب بأنه "نشيدٌ للحرية والغفران"، وحظي بإشادة نقدية واسعة لقدرة روي على تحويل صدمات الماضي إلى سردية إنسانية دافئة، تُثبت أننا لا نتحرر من أمهاتنا أو أوطاننا أبدًا، بل نتعلم فقط كيف نحمل ثقلهما بداخلنا بسلام، تمامًا كما حملت غوين جون ثقل موهبتها وتاريخ أخيها لتصعد بهما إلى سدة الخلود.
العلاج بالفن
تُعد البروفيسورة البريطانية ديزي فانكورت، الأستاذة في جامعة كوليدج لندن، واحدة من أبرز العلماء في مجالي علم النفس والوبائيات. ركّزت أبحاثها الرائدة على تقاطع العوامل الاجتماعية، وفي مقدمتها الفنون والثقافة، مع الصحة النفسية والجسدية. وبسجل حافل يتجاوز 300 ورقة علمية وأكثر من عشرين جائزة دولية من مؤسسات مرموقة مثل Wellcome Trust وThe British Academy، صُنفت فانكورت واحدة من أكثر العلماء استشهادًا وتأثيرًا في مجالها، لا سيما بعد قيادتها لأكبر دراسة بريطانية حول التأثيرات النفسية لجائحة كورونا وتأسيسها شبكة COVID Minds العالمية.
في كتابها "ترياق الفن: العلم الكامن وراء دور الفنون في تحويل صحتنا"، تقدم فانكورت أول مؤلف موجه للجمهور يجسّر الهوة بين المختبر والحياة اليومية، مستندة إلى عقود من البحث في علوم الأعصاب والمناعة وعلم السلوك لتثبت أن الفنون - من إيقاع الرقص إلى أروقة المتاحف - قادرة على دعم نمو أدمغة الأطفال، وصد التدهور المعرفي، وتخفيف الاكتئاب والتوتر، وبناء مسارات عصبية جديدة للمصابين بإصابات دماغية، وحتى تقليل الشعور بالوحدة والهشاشة في الشيخوخة.
منذ صدوره، أصبح الكتاب ظاهرة ثقافية وعلمية، متصدرًا قوائم "الأكثر مبيعًا" كما اختير كتابًا للشهر لدى كبار الموزعين في المملكة المتحدة، وتوّج هذا النجاح بوصوله إلى القائمة القصيرة لجائزة المرأة للإبداع 2026، حيث أشادت لجنة التحكيم به واصفة إياه بأنه "حجة مذهلة ومقنعة علميًا حول قدرة الفنون على تغيير حياتنا، وجعلنا أكثر سعادة ومنحنا عمرًا أطول… إنه العمل الذي وضع الفن في قلب معادلة الصحة العامة"، ليصبح اليوم مرجعًا أساسيًا لكل من يسعى لفهم كيفية استعادة التوازن والرفاهية في عالم سريع الإيقاع، مؤكدًا أن "الوصفة الفنية" ترقى فاعليتها إلى الوصفة الدوائية.
تختتم ثانغام ديبونير، رئيسة لجنة التحكيم لعام 2026، ومعها المهندسة روما أغراوال والقاضية نيكولا ويليامز، هذا المشهد الثقافي بالتأكيد على أن القائمة القصيرة ليست مجرد تكريم، بل هي "ترياق عاجل" ضد التضليل في عالم مجزأ. ويكتسب هذا الطرح عمقه من المسار الذي بدأته الجائزة منذ دورتها الأولى، حيث فازت نعومي كلاين في عام 2024 عن كتابها «الشبيه» (Doppelganger)، الذي قدّم قراءة نقدية لواقع متشظٍ ومضلِّل، فيما ذهبت جائزة 2025 إلى راشيل كلارك عن كتابها «حكاية قلب» (The Story of a Heart)، وهو عمل إنساني مؤثر أعاد تعريف الكتابة الطبية وذلك عبر سرد تجربة التبرع بالأعضاء من منظور حميم. ورغم أن الأرقام لا تزال تعكس فجوة واضحة - حيث تهيمن الأصوات الذكورية على مجالات السياسة (82%) والرياضة (90%) والأعمال (93%) - إلا أن صعود حصة المرأة في العلوم الشعبية إلى 22% وفي الفلسفة إلى 10% ربما يبشّر ببزوغ فجر جديد.