تواجه الشؤون المالية في العراق اختبارا صعبا مع تصاعد وتيرة الاقتراض الداخلي إلى مستويات قياسية خلال فترة زمنية قصيرة، ما يثير القلق بشأن استدامة التوازن المالي واستقرار الأوضاع الاقتصادية. وفي هذا السياق، كشف الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، عبر منشور على منصة "فيسبوك"، أن الدين الداخلي في العراق ارتفع إلى 96.6 تريليون دينار، فيما أشار إلى تراجع الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي العراقي بأكثر من 3 تريليونات دينار خلال أسبوعين. وبين نمو الدين الداخلي وتآكل الاحتياطي، يوضع ملف "العجز المالي" تحت مجهر التحليل والبحث، وسط تساؤلات عديدة بشأن تداعياته.
وبالحديث عن مخاطر ارتفاع هذا الدين وتراجع الاحتياطي على الموازنات المقبلة، أوضح مدير البحوث الاقتصادية في المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة، الدكتور صادق الركابي، لـ"المدى"، أن ذلك "يشكل ضغطا مزدوجا وعاليا على الاقتصاد العراقي، لأن الموازنات في العراق لن تكون قادرة في المستقبل على خدمة المشاريع التنموية بقدر ما ستكون موجهة لسداد الديون وخدمة الديون التي ستكون مرتفعة، ما يعني تراجعا في الإنفاق التنموي على المدى الطويل، وتراجعا في قدرة الاقتصاد العراقي على خدمة القطاعات التنموية من بنى تحتية وتعليم وصحة".
وأشار الركابي إلى أنه "سيكون هناك تراجع في دعم القطاع الخاص، بل ومنافسة له، فإذا زادت الدولة من اقتراضها الداخلي فإن هذا يسحب السيولة من المصارف المحلية، وبالتالي سيكون من الصعب على القطاع الخاص الحصول على الأموال اللازمة لمشاريعه. كما ستشعر المصارف العراقية بأنها تفضل إقراض الحكومة على تمويل مشاريع إنتاجية للقطاع الخاص، لأنها ستكون بالنسبة لها جهة مضمونة لسداد الديون أكثر من القطاع الخاص، وبالتالي سيضعف الاستثمار وتزداد معدلات البطالة".
وتابع أن هذا الأمر "سيكون عاملا مؤثرا بشكل كبير في هشاشة الوضع المالي في العراق، إذ ستكون هناك، على المدى الطويل، تراجعات في قدرة الحكومة على تمويل الموازنة التشغيلية، وحتى في قدرتها على تمويل الرواتب، كونها ستزيد دائما من الاقتراض الداخلي وتستنزف الاحتياطي النقدي".
ونوه الركابي إلى مسألة سعر الصرف وتأثيرها في الدينار العراقي، قائلا إن "قيمة الدينار ستتراجع، وسيزداد التضخم، لأن الكتلة النقدية في الأسواق ستكون مرتفعة، وهذا الأمر سيؤدي إلى ضعف الثقة بالدينار على المدى الطويل، وسيجعل الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل أكبر على الدولار الأميركي، ضمن ما يعرف بظاهرة دولرة الاقتصاد العراقي. كما سيكون هناك ضعف في مرونة الاقتصاد العراقي في حال تعرضه إلى أزمات، أو في حال تنفيذ أي إصلاحات هيكلية أو خطط ومشاريع استراتيجية، إذ لن يكون الاقتصاد العراقي قادرا على القيام بهذه الأمور".
وتطرق الركابي إلى ثقة المستثمرين داخل البلاد، مبينا أن "المستثمرين يبحثون دائما عن العوائد المرتفعة وعن البيئة الآمنة والمستقرة على المدى الطويل، لكن عندما يرى هؤلاء المستثمرون أن الاقتصاد العراقي يستنزف احتياطيه النقدي، ويسحب الأموال من مصارفه المحلية بداعي الديون الداخلية، فإن هذا سيشكل عامل قلق بالنسبة إليهم، ويجعلهم يتجنبون السوق العراقية، ليس بشكل كامل، لكنه يدفعهم إلى الانسحاب تدريجيا من هذه السوق، خصوصا المستثمر الأجنبي الذي يسعى إلى سوق تتوافر فيه ضمانات عالية وعائد مرتفع، ونسبة إنفاق تشغيلي لا تنافس القطاع الخاص، وبالتالي سيقلل هذا الأمر من عامل الجذب في الاقتصاد العراقي".
وعن التأثيرات التي يخشاها المستثمرون، قال الركابي إنهم "يخشون، بسبب هذا الخلل المالي، من حدوث ارتفاعات مفاجئة في الضرائب المفروضة على الشركات، مع زيادة القيود النقدية، سواء بالنسبة إلى تحويل الأموال إلى الخارج، أو التأخر في عملية سداد المستحقات الحكومية، إضافة إلى تقلبات سعر صرف الدينار العراقي التي سيكون لها أثر كبير في قرارات المستثمرين".
وأضاف أن ذلك "سيعطي صدى سيئا للاقتصاد العراقي، خصوصا لدى شركات التصنيف الائتماني، إذ ستعلن هذه الشركات أن كلفة تمويل مشاريع الاقتصاد العراقي مرتفعة، وأنه لن يكون اقتصادا مضمونا في سداد الديون، ما يؤثر في ثقة المؤسسات الدولية، حتى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بإقراض الاقتصاد العراقي. والعامل الأكثر أهمية أن المستثمرين، في حال زيادة هذه المخاطر، سينتظرون كثيرا قبل اتخاذ قرارات الاستثمار".
واقترح الركابي، خلال تصريحاته الخاصة لـ"المدى"، مجموعة من الحلول الاقتصادية، قائلا إن "هناك حلا يتمثل في توجه المشاريع نحو المشاريع المنتجة التي تشغل الأيدي العاملة وتدير عجلة الاقتصاد العراقي على المستويين المتوسط والطويل، في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات والطاقة التحويلية بالنسبة إلى القطاع النفطي، وهذا سيخلق إيرادات غير نفطية مستدامة، ويشغل الأيدي العاملة، ويقلل الاعتماد على الدولة، ويخلق أسواقا جديدة في العراق، ويجعل العراق دولة منتجة بدلا من أن يكون دولة منتجة للنفط فقط ومستهلكة لكل شيء".
وأكد الركابي ضرورة المضي بإصلاحات اقتصادية، موضحا أن "عملية الدعم التي تقدمها الدولة يجب أن تكون موجهة إلى القطاعات الأكثر احتياجا، والتي تعتمد بشكل كبير على الدولة، وأن تحجب عن القطاعات الأخرى، أو يعاد ترتيب أولويات الإنفاق بالنسبة إلى هذه القطاعات، بما يقلل الهدر في الأموال ويضبط عمليات الإنفاق غير المنتجة".
وشدد على أن "محاربة الفساد عامل مهم جدا في استرجاع الأموال وعدم إهدار المزيد منها، كما تعود بعائد كبير على الدولة العراقية، لأن الكثير من مليارات الدولارات خرجت من الاقتصاد العراقي منذ عام 2003 بسبب الفساد والتهرب والعمليات غير المنضبطة التي كانت تجري في نافذة بيع العملة".
وفي ما يخص تشجيع الاستثمار، اقترح الركابي أن يكون هناك "جذب للاستثمارات في القطاعات التي تكون فيها العوائد مرتفعة، مثل قطاع الطاقة والبنى التحتية، وهي قطاعات تلقى صدى في الأسواق الدولية، إضافة إلى المدن الاقتصادية التي تشجع على الصناعة، والمدن أو المراكز التي تنشأ لتشجيع الزراعة والتكنولوجيا المتطورة في هذا المجال".
وأضاف أن "الدولة إذا شاركت القطاع الخاص بشكل استراتيجي، فستكون لديها عوائد كبيرة تقلل من اعتمادها على الديون المحلية. كما يجب أن تكون عملية الاقتراض المحلي مؤسسية أكثر، وأن تتسم بشفافية مالية واضحة، وأن تبنى على أساس العائد، وأن تبتعد عن الاقتراض لحل الأزمات، لتكون هذه العملية قائمة على دعم المستثمرين والمشاريع المنتجة".
وختم الركابي حديثه باقتراح إنشاء صناديق سيادية، قائلا إن "إنشاء الصناديق السيادية يعد من الحلول المهمة، فهذه الصناديق تعتبر صناديق ادخار تحجز فيها الفوائض المالية، وتستخدم في حالات الصدمات والمخاطر الاقتصادية والسياسية، كما تقلل حاجة الدولة إلى الاقتراض في أوقات الأزمات".
وأكد أنه "في حال اعتماد هذه العوامل مجتمعة، يمكن للدولة أن تنتقل من اقتصاد يعتمد على الديون المحلية أو يستنزف الاحتياطي النقدي، إلى اقتصاد منتج يعتمد بشكل كبير على إيرادات متنوعة، لا على اقتصاد ريعي فقط، وأن تكون هناك مساهمة من قطاعات إنتاجية خارج القطاع النفطي، إلى جانب توسيع القاعدة الاقتصادية وتجنب أن يكون الاقتصاد غير مرن أو غير شفاف، وأن يكون اقتصادا مبنيا على الحوكمة وبعيدا عن أي حالات فساد".