عرض الفواكه والخضروات تحت الشمس يهدد سلامتهاويزيد مخاطر التلوث الغذائي
تثير ظاهرة عرض الفواكه والخضروات والمحاصيل الموسمية على الطرق الخارجية والبسطات تحت أشعة الشمس المباشرة مخاوف صحية متزايدة، في ظل تجاوز درجات الحرارة في بعض مناطق العراق 50 درجة مئوية، وسط تحذيرات من أن سوء الحفظ قد يؤدي إلى تلف المنتجات وتهيئة بيئة ملائمة لتكاثر البكتيريا المسببة للأمراض.
ومع ساعات الفجر الأولى، يصطف أصحاب البساتين على الطرق الخارجية المؤدية إلى المحافظات، حاملين محاصيلهم الموسمية من الرقي والبطيخ والخيار والطماطم والعنب، في محاولة لبيعها مباشرة للمواطنين والمسافرين بعيدا عن أسواق الجملة. غير أن هذه المنتجات تبقى، في كثير من الأحيان، معروضة تحت أشعة الشمس حتى ساعات الظهيرة.
ويفضل كثير من المزارعين هذا الأسلوب في التسويق لتقليل تكاليف النقل والوسطاء، إلا أن معظمهم يفتقر إلى وسائل التبريد أو أماكن البيع المجهزة، فتُعرض الصناديق في العراء أو تحت مظلات بسيطة لا توفر الحماية الكافية من الحرارة المرتفعة.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 600 مليون شخص يصابون سنويا بالأمراض المنقولة بالغذاء، فيما يتوفى نحو 420 ألف شخص نتيجة تناول أغذية ملوثة. ويتحمل الأطفال دون سن الخامسة نحو 40 في المئة من عبء هذه الأمراض، مع تسجيل 125 ألف وفاة بينهم كل عام. وتؤكد المنظمة أن سوء حفظ الأغذية وتركها في درجات حرارة غير مناسبة من أبرز العوامل التي تسهم في تكاثر البكتيريا المسببة للأمراض. وفي العراق، تعمل وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، على تعزيز أنظمة رصد الأمراض المنقولة بالغذاء والاستجابة للفاشيات، في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف. ويحذر رئيس معاون طبي أقدم فراس كاظم عزيز، الموظف في وزارة الصحة العراقية، من استمرار ظاهرة عرض المواد الغذائية تحت أشعة الشمس المباشرة في الأسواق الشعبية والبسطات، معتبرا أنها تمثل تحديا متزايدا للصحة العامة في ظل موجات الحر التي يشهدها العراق.
ويقول عزيز لـ«المدى» إن درجات الحرارة المرتفعة تؤثر بصورة مباشرة في جودة الأغذية وسلامتها، موضحا أن تعرض الخضروات والفواكه، فضلا عن اللحوم والدواجن والأسماك ومنتجات الألبان والعصائر والمياه المعبأة، لأشعة الشمس يؤدي إلى تغير خصائصها الفيزيائية والكيميائية، ويسرع عمليات الأكسدة والتحلل، ويفقدها جزءا من قيمتها الغذائية، كما يهيئ بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا والجراثيم والفطريات المسببة للأمراض.
ويضيف أن الأغذية سريعة التلف تفقد جزءا كبيرا من عوامل السلامة عند انقطاع سلسلة التبريد، ما يزيد احتمالات الإصابة بالتسمم الغذائي والتهابات الجهاز الهضمي والإسهال والقيء والحمى والجفاف، فضلا عن الأمراض التي تسببها بكتيريا السالمونيلا والإشريكية القولونية والليستيريا والمكورات العنقودية الذهبية، ولا سيما لدى الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل وذوي المناعة الضعيفة. ويشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي أيضا، في ظروف معينة، إلى زيادة انتقال بعض المركبات الكيميائية من العبوات البلاستيكية غير المخصصة للتعرض للحرارة، أو المستخدمة بصورة غير صحيحة، إلى الأغذية أو المشروبات، فضلا عن تسريع تفاعلات الأكسدة والتحلل في العديد من المنتجات الغذائية، ما يستدعي الالتزام الصارم بظروف الحفظ والتخزين وعدم تعريض المنتجات لأشعة الشمس المباشرة. وتؤكد المحللة الطبية دانية ثعبان لـ«المدى» أن حرارة الشمس لا تسبب الإصابة بحمى التيفوئيد بصورة مباشرة، إذ ينتقل المرض عبر بكتيريا السالمونيلا التيفية الموجودة في الطعام أو الماء الملوثين.
وتوضح أن بقاء الفواكه والخضروات لساعات طويلة في درجات حرارة مرتفعة قد يساعد على تكاثر البكتيريا إذا كانت المنتجات ملوثة أساسا أو جرى تداولها بطرق غير صحية، بما يزيد احتمالات الإصابة بالأمراض المنقولة بالغذاء. من جانبه، يقول ناصر الجبوري، وهو أحد أصحاب البساتين في محافظة بابل، إن البيع على الطرق الخارجية أصبح وسيلة رئيسية لتسويق المحاصيل، موضحا أن المزارعين يغادرون بساتينهم منذ ساعات الفجر حاملين إنتاجهم إلى الطرق العامة، على أمل بيعه قبل اشتداد الحر، إلا أن ضعف الإقبال في بعض الأيام يجبرهم على إبقاء المحاصيل معروضة حتى ساعات الظهيرة.
ويضيف أن أغلب أصحاب البساتين لا يمتلكون وسائل تبريد أو أماكن مخصصة للبيع، لذلك يكتفون بتغطية الصناديق بالقماش، وهي وسيلة لا تكفي لحماية المحاصيل من درجات الحرارة المرتفعة، ما يؤدي إلى تلف جزء من الإنتاج يوميا وتكبيد المزارعين خسائر مالية. ويعزو عزيز استمرار هذه الظاهرة إلى عوامل عدة، من بينها ارتفاع تكاليف التبريد، والانقطاعات الكهربائية، وانتشار البسطات والأسواق غير النظامية، وضعف الالتزام بالاشتراطات الصحية، ومحدودية الوعي لدى بعض الباعة والمستهلكين، فضلا عن لجوء بعض المواطنين إلى شراء هذه المنتجات بسبب انخفاض أسعارها أو عدم إدراكهم المخاطر الصحية المترتبة على سوء حفظها. ويدعو إلى تكثيف حملات الرقابة والتفتيش، ومنع عرض الأغذية سريعة التلف في الأماكن المكشوفة، وإلزام المحال التجارية باستخدام وسائل التبريد والمظلات الواقية، وتطبيق الإجراءات القانونية بحق المخالفين، بما ينسجم مع معايير سلامة الغذاء وحماية المستهلك.
كما يشدد على أهمية الدور الذي تؤديه مراكز الرعاية الصحية الأولية في نشر الوعي الصحي، من خلال حملات التثقيف في الأسواق والمؤسسات التعليمية والمجتمعية، وإعداد مواد توعوية بشأن مخاطر شراء الأغذية المعرضة للشمس، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن المخالفات التي تهدد الصحة العامة.
ويختتم عزيز بالقول إن حماية المستهلك تبدأ من وعيه، داعيا المواطنين إلى الامتناع عن شراء أي مادة غذائية معروضة تحت أشعة الشمس المباشرة أو تظهر عليها علامات التلف، والتأكد من سلامة العبوات وتاريخ الصلاحية ودرجات الحفظ الموصى بها.
ويؤكد أن سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية والباعة والمستهلكين، وأن الالتزام بمعايير الحفظ أصبح ضرورة صحية في ظل تصاعد تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة في العراق.