أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إلى الإبداع
نشر بواسطة: mod1
الثلاثاء 01-09-2026
 
   
علاء المفرجي- المدى

حين كانت الطفولة تكتبنا

ليس من السهل أن نعرف متى يبدأ المبدع في أن يكون مبدعاً. قد لا تكون هناك لحظة محددة يمكن الإمساك بها والقول: هنا بدأ كل شيء. وربما لا يتذكر الشاعر متى أحب الشعر، ولا يعرف الروائي متى بدأت الحكايات تتكاثر في رأسه، ولا يستطيع الفنان أن يحدد متى شعر للمرة الأولى بأن الصورة التي أمامه تستحق أن تُرسم. الإبداع، في الغالب، يتسلل إلى حياة صاحبه من أماكن أخرى، من تفاصيل تبدو عابرة في طفولته، ثم لا تلبث أن تكبر معه، وتبقى مختبئة في مكان ما من ذاكرته.

ربما كانت البداية في زقاق قديم، أو في بيت واسع تتوزع غرفه على أصوات أفراد العائلة. ربما كان نهراً يمر بالقرب من المكان، أو شجرة، أو سوقاً شعبياً، أو سينما قديمة، أو مكتبة صغيرة. وربما كان شخصاً: أباً، أماً، معلماً، جاراً، صديقاً، أو حتى شخصاً غريباً لم يلتق به الطفل سوى مرة واحدة. وقد تكون البداية حكاية سمعها من جدته، أو كتاباً وقع بين يديه مصادفة، أو أغنية، أو صورة، أو مشهداً من فيلم، أو حادثة تركت في نفسه أثراً أكبر من قدرتـه آنذاك على فهمها.

فالطفولة لا تمنحنا الذكريات فقط؛ إنها تمنحنا، في كثير من الأحيان، الطريقة التي سننظر بها إلى العالم لاحقاً. ما نراه في سنواتنا الأولى قد يتحول إلى جزء من خيالنا، وما نخاف منه قد يتحول إلى سؤال، وما يدهشنا قد يصبح موضوعاً، وما نفقده قد يعود في صورة قصيدة أو رواية أو لوحة أو فيلم. وربما لهذا السبب نجد أن كثيراً من الأعمال الإبداعية، حتى عندما تبدو بعيدة عن السيرة الشخصية لأصحابها، تحمل في أعماقها شيئاً من الأمكنة الأولى والأصوات الأولى والوجوه الأولى.

العراق، أكثر من كثير من البلدان، يمتلك ذاكرة طفولة شديدة الثراء. أجيال كاملة كبرت في مدن وأحياء مختلفة، وفي بيئات تتجاور فيها الحكاية الشعبية مع التاريخ، والمدينة مع النهر، والبيت مع الشارع، والموروث العائلي مع التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى. طفولة العراقيين لم تكن منفصلة تماماً عن الأحداث التي عاشها البلد؛ فقد كانت السياسة، والحروب، والهجرة، والفقر، والتحولات الاجتماعية، كما كانت الأفراح والمناسبات والألعاب والرحلات والعلاقات العائلية، جزءاً من المشهد الذي تشكلت فيه ذاكرة أجيال من المبدعين.

لكن السؤال الذي يثير فضولنا هنا ليس: كيف أصبح هؤلاء أدباء وفنانين؟ وإنما سؤال أكثر بساطة وربما أكثر عمقاً: ماذا يتذكرون من طفولتهم عندما يفكرون في بداياتهم؟

هل يستطيع المبدع العراقي اليوم أن يعود إلى الوراء، وأن يعثر على ذلك التفصيل الصغير الذي ربما كان أول خيط في الطريق؟ هل يتذكر مكاناً لم يعد موجوداً؟ بيتاً هُدم؟ حياً تغيرت ملامحه؟ شخصاً غاب؟ كتاباً قرأه في سن مبكرة؟ أم أن الأمر كله لم يكن سوى شعور غامض بالاختلاف، أو رغبة في العزلة، أو حاجة إلى اختراع عالم آخر؟

في هذا الاستطلاع، طلبنا من عدد من الأدباء والفنانين العراقيين أن يعودوا، ولو للحظات، إلى الطفل الذي كانوا عليه. لم نسألهم عن الجوائز ولا عن الكتب والمعارض والأفلام والأعمال التي صنعت أسماءهم، بل حاولنا أن نذهب أبعد من ذلك، إلى ما قبل كل هذه الأشياء. إلى الذاكرة التي سبقت الكتابة والرسم والموسيقى والمسرح والسينما.

سألناهم عن الأحداث والأمكنة والأشخاص والتفاصيل التي بقيت في ذاكرتهم، وعن اللحظة التي يشعرون اليوم أنها ربما كانت إحدى البدايات الخفية لعلاقتهم بالإبداع.

وقد تكون الإجابات مفاجئة؛ لأن ما يراه المبدع اليوم مهماً في طفولته قد لا يكون هو الحدث الكبير الذي يتوقعه الآخرون. أحياناً تكون التفاصيل الصغيرة هي الأكثر رسوخاً: رائحة مكان، ضوء نافذة، صوت بائع، طريق إلى المدرسة، كتاب قديم، جلسة عائلية، صورة على جدار، أو لعبة كان يمارسها الطفل دون أن يعرف أنه كان يدرب خياله.

ولعل أجمل ما في استعادة هذه الذكريات أنها لا تقدم لنا سيرة جديدة للمبدعين بقدر ما تكشف لنا جانباً آخر من أعمالهم. فعندما نعرف أن وراء قصيدة ما مكاناً قديماً، أو أن وراء لوحة ما صورة طفولية، أو أن وراء رواية ما حادثة ظلت عالقة في الذاكرة، فإننا لا نبحث بالضرورة عن تفسير مباشر للعمل، لكننا نقترب أكثر من العالم الداخلي لصاحبه.

الإبداع، في النهاية، ليس معادلة يمكن حلها. لا يمكن القول إن كل من عاش حادثة معينة سيصبح شاعراً، أو إن كل من نشأ في مكان معين سيصبح فناناً. لكن المؤكد أن المبدع يحمل معه، أينما ذهب، شيئاً من الطفل الذي كانه. وربما لا تكمن قوة الذاكرة في أنها تحفظ الماضي كما حدث، بل في أنها تعيد تشكيله كل مرة، وتمنحه حياة جديدة في الخيال.

لهذا حاولنا أن نبحث عن الطفولة بوصفها الذاكرة الأولى للإبداع. عن الأشياء التي ظن أصحابها أنها انتهت، لكنها بقيت تعمل في أعماقهم بصمت. وعن تلك اللحظات التي لم يكن أحد يعرف، وقت حدوثها، أنها ستصبح ذات يوم مادة للقصيدة أو الرواية أو اللوحة أو الفيلم.

ربما لم يصبح هؤلاء مبدعين بسبب حادثة واحدة أو مكان واحد، لكنهم، حين يعودون الآن إلى طفولتهم، يستطيعون أن يروا بعض الخيوط التي لم يكونوا قادرين على رؤيتها آنذاك.

فماذا بقي من الطفل في المبدع؟ ومن أي مكان، ومن أي حكاية، ومن أي دهشة قديمة بدأ الطريق؟

الشاعر طالب عبد العزيز

لا أعتقدُ بأنني أستطيع تحديد المصادر أو المراجع التي أسهمت في تكوين ميلي الى الشعر، لا أتذكر من ذلك شيئاً، لكنني تحسستُ شيئاً ما يعتمل في روحي، لا يشبهه شيءٌ آخر، هو فعل لم استطع تعريفه، حركة حروف، صفُّ كلمات، بناء جمل.. لا أظنه كان شعراً بالمعنى العملي؛ لما عرفته فيما بعد، وإذا كان ثمة ما يمكن تسميه فهو اختلاف في التفكير، أو زحزحة في وجهة النظر الافقية للأشياء، أو تذوقٌ بطعم آخر، وربما خوف من شيء، سعادة لا تدوم طويلاً، حيوان غير مرئي يقرضُ بأطراف الروح، يريد منها ما ليست تحوزه، ولم يكتمل بعد.. وربما كانَ بيتٌ الشعر، في الشاهد النحوي، بكتاب العربية للصف السادس الابتدائي(لغتي) أمّا إذا كنتُ استطيع نفي ذلك كله، والكذب فيه، فأقول هو اللحظة التي أفزعني فيها أوَّلُ نهد رأيته في حياتي، من هناك ابتدأت تتشكل صورة الشعر الأولى.

ولم يذهب المكانُ الأول بعيداً، لأنني لم أرتحل عنه، مازال قائماً بكل طفولته، وفتنته، على الرغم من فقدان الكثير البهيج منه، وزوال بعضه، لكنني، أقول بأنني لا استطيع الكتابة خارجه، كما أرى أنْ على الشاعر أنْ يكون مشبّعاً ومسكوناً بالامكنة، حيث يكونُ وحيث يحلَّ، وفي المكان القديم المألوف، أو الجديد المكتشف، حيث تكون اللغةُ قد اكتست ثوباً آخر، غير الثوب الذي عليها، وتصبح المفردة دالةً على وجودها فيه، بمعنى آخر؛ نحن نكتشف ذواتنا داخل المكان في لغتنا أيضاً، إذْ ليس المكان تجريداً في اللغة، هو سُكنى وقيامة، وهو يعمل على تحريك اللغة بحسب مشيئته. ربما يختلف المكان عند البعض فينتج لغةً مختلفة، مثلما ينتج انساقاً مختلفةً أخر، ولنا في ما قاله علي بن الجهم، القادم من البادية لبغداد في حضرة الخليفة المتوكل بالله ما يقرّبنا من فهم المكان أكثر:

« أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُدِّ وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ

أنتَ كَالدَلوِ لا عَدِمناكَ دَلواً مِن كِبارِ الدِّلا كَثيرَ الذَنوبِ «

الروائي أحمد السعداوي

أنا وجيلي كنّا «أبناء الدولة»، حيث المكتبات التي تبيع الصحف والكتب التي تصدرها دار الشؤون الثقافية، في كلّ مكان. والنوادي الرياضية وروابط الشطرنج والموسيقى، ودروس المطالعة. وهذه الأشياء أغلبها بالمجان أو بسعر زهيد مدعوم من الدولة.

كنت، على مدى سنوات، أشتري مجلات الأطفال ثم لاحقاً قصص وروايات الفتيان، وكتب لطفي المنفلوطي وروايات عبير وغيرها من مكتبة صغيرة في قطّاع (35) بمدينة الثورة «الصدر». لا تبعد سوى أقل من كيلومتر واحد عن بيتي.

كذلك كان من بين زملاء الدراسة من يهتم بالقراءة ومزاولة الكتابة. وكنّا نتبادل الكتب، وكان من حظّي أن تعرفّت على أصدقاء لدى آبائهم أو أخوانهم الكبار مكتبات عامرة في البيت، فقرأت عن طريق ذلك، روايات ديستوفسكي وتولستوي وديكنز ونجيب محفوظ وغيرهم الكثير.

كانت واحدة من الرفاهيات أن تقتني راديو ترانزستور صغير من نوع «قيثارة» وتوصله عن طريق هيدفون صغير بسمّاعة واحدة، وتستغرق في سماع الموسيقى من الاذاعات العراقية والعربية، أو تلتقط في أواخر الليل، إشارة الاذاعة الكويتية التي كانت تبثّ بشكل منتظم مسلسلاً إذاعياً بأصوات ممثلين عرب، يحوّل كبريات الروايات العربية الى تمثيليات. من خلال هذا البرنامج سمعت لأول مرّة قصة «آلة الزمن» لأج جي ويلز.

حتى سنة 2003 كان العثور على الكتب واقتناء الجيّد منها قتالاً حقيقياً، وأذكر أنني في يوم ما، في كراج الباب المعظّم صادفت صديقاً يتأبط كتاباً مصوراً بالفوتو كوبي «مستنسخاً» هو الجزء الثالث من تاريخ الجنسانية لميشيل فوكو «الانهمام بالذات». والكتاب كان على شكل ملزمة، بمعنى ليس بشكل الكتاب العادي، وانما تبدو الصفحتان من الكتاب على امتداد الورقة (A4)، وكانت أخريات الأسطر مقطوعة، بسبب أن الصديق استنسخ الكتاب عن نسخة مستنسخة أصلاً بشكل رديء.

لم أترك الصديق هذا حتى اقتدته الى أقرب مكتب للتصوير في الباب المعظم وصوّرت نسخته، لأنني كنت أبحث منذ مدة طويلة عن هذا الجزء، ثم حين عدت الى البيت "خمّنت" الاحرف المقطوعة في أخريات الأسطر وكتبتها بالقلم الأزرق الجاف.

في أول زيارة لي الى دمشق في 2005 التقيت بالراحل فؤاد التكرلي الذي قادني الى مكتبة المدى هناك، وتجوّلت بين المكتبات السورية المختلفة واشتريت النسخ الأصلية من الكتب التي كانت عندي أصلاً، ولكنها مصوّرة بالفوتو كوبي، وكأني انتقم، بذلك، من ظروف القراءة الصعبة في التسعينيات.

الكاتب والروائي نعيم عبد مهلهل

في خندقٍ شقيٍّ بحربٍ ما، وقبل سنوات بعيدة، وصلنا في حقيبة جندي مجاز كتاب «جماليات المكان» لغاستون باشلار من ترجمة غالب هلسا. ومتى استعرته وقرأته بلذةٍ غريبة اكتشفتُ أن المكان هو بوصلة الاتجاه لجهةٍ ما تود الكتابة عنها. كنت وقتها في بدايات الكتابة، وأغلبها خواطر الخوف من موت الحرب. ولكن كتاب «جماليات المكان» أصبح توراةً لمعرفة مَن تستطيع أن تذهب إليهم عبر مكانٍ أول وأسطوري هو بيتكم الذي كل جدرانه من الطين وسقفه من سعف النخل، وأجمل الشخوص فيه هم والداك وإخوتك. وبوجوههم استعنتُ في ابتكار الشخوص، وافترضتُ الحنان في وجه أمي دعاءً إلى آلهة سومر لتنجيك من الحرب.

بين البيت والخندق الشقي تمتد جغرافية الذاكرة، وكلها كانت محطات تتلون فيها البيئات والطبائع والأحلام: الشارع، وشاشات السينما، والاصطفافات المدرسية، ووجوه عمال مساطر الطين، والثورات التي عاصرتها المليئة بوجوه الصفحات الأولى من الجرائد. وجه شهرزاد وأنت تكتسب منه متعة قراءة ألف ليلة وليلة. أزمنة الأهوار حين كنت فيها معلم مدرسة ابتدائية، والكتابة عن الطقوس الروحية لجيراننا الصابئة المندائيين. محطات الاغتراب وأمكنتها التي لا تشبه دروب طفولتك. كل هذا صنع الإدراك، وكان أغلبه هاجس الحس في تطوير الموهبة التي بدأت منذ طفولتك وانتهت لتكون الرواية رقم 20 في مُنجَزي السردي.

الناقد التشكيلي خالد خضير

نعم، فنحن لا نعتبر النص التشكيلي نصا نقديا إلا اذا توفرت فيه (خصائص نصية محددة) أهمها أن ينصب الجهد فيه على مقاربة مادية العمل لا مقاربة قيم خارجية سردية وان كانت جمالية، وان لا تنتمي الى حقل تاريخ الفن، وتماما كما استبعد اليوت الكثير من (أنماط الشعر) عن الشعر باعتبار أن الميزان هو تحديد وظيفة الشعر من حيث كونه شعرا، فيتم استبعاد الكثير من الفعاليات اللغوية عن حقل الشعر، فالشعر المسرحي والشعر التعليمي والأدعية ذات الأغراض الدينية والملاحم والقصص عن الشعر، فعلاقتها به هي بوجود سمات شعرية فيها، فالمسرحية الشعرية لا تنتمي الى الشعر إنما تنتمي الى المسرح وتنتمي الفية بن مالك الى تعليم النحو العربي.

أول التأثيرات، التي شكلت وعينا الفني واهتماماتنا اللاحقة، كانت في متوسطة العشار التي درّسنا فيها أستاذنا الرسام سلمان البصري، والمسرحيان: جبار صبري العطية ومحمد وهيب، كما درّسنا اللغة العربية الشاعر عبد الكريم كاصد، ثم بدأت أولى القراءات الثقافية فكان أول كتاب فن قرأته هو كتاب (الفن والمجتمع) للناقد البريطاني هربرت ريد، وكتاب الناقد عباس الصراف عن النحات العراقي جواد سليم، وهما، إضافة الى مجلة (الف باء) الشهيرة، هو ما فتح لي باب الفن التشكيلي والكتابة التشكيلية، وبعد أن بدأت أولا بكتابة الشعر مع الشاعر كريم جخيور؛ ولكنني سرعان ما تخليت عن الشعر، واكتفيت بالرسم للصحافة وبالكتابة النقدية التشكيلية ونقد الشعر..

السينمائي علي رفيق

نشأت في شبه قرية -شبه مزرعة. بيوت متناثرة (قرية انشأها الإنكليز على نمط قراهم، في خان ضاري، فيها حدائق غناء وارفة الظلال، يسكنها العاملون في دائرة ري تشرف على جدول ابي غريب) لأب يقرأ.. وأم متعلمة (طردنا من جنتنا تلك الى مزرعة ابي غريب عام 1953 لينشئوا على ارض قريتنا الجميلة سجن ابي غريب الحالي). أنهيت الابتدائية فكانت مكافأة والدي منحه لي كامل مكتبته وهنا ابتدأت رحلتي مع روايات الهلال ومطبوعات كتابي وغيرها. ومن هذه البوابة وصلت الى المكتبة العامة وهناك تعرفت على قصص الاحداث والرحلات، لكن الشغف الأكبر كان شكسبير، الذي كان واجبا ثقيلا بمادة الأنكليزي، لكن رفوف المكتبة العامة وفرت ترجمات - ملخصات لمسرحياته، فكانت المنقذ وهكذا كانت مرحلة الدراسة المتوسطة تماهٍ مع أدب ودراما وأحداث تجعلك أسيراً لها.. عمري آنذاك كان ١٢عاما تعرفت فيه الى جارٍ لي يتقدمني بالدراسة. حين أنهي المتوسطة التحق بمعهد الفنون. فكان يحدثني عما يتلقى من دروس. بعد عام دعاني لأشاهد مسرحية تمثل على الخشبة (اول عمل مسرحي اشاهده كان «المثري النبيل» لموليير اخرجه جعفر علي (1961) لطلبة الفنون. وهنا كان السحر الذي لا فكاك منه. وبعد ان أنهيت الدراسة المتوسطة تقدمت الى المعهد الذي كانت متطلباته اجتياز امتحان القبول ومادته الرئيسية ان تقدم مشهدا تقنع في أداءك له، الأساتذة بأنك ممثلا يحتمل ان تكونه. وانا بمساعدة ذلك الزميل اخترت مشهدا أمثل فيه شخصية انطونيو في (يوليوس قيصر) لشكسبير. والمشهد كان مونولوغ مناجاة انطونيو لجثة صاحبه القتيل قيصر المضرجة بالدماء ومن هنا كانت البداية.

الكاتب يوسف أبو الفوز

تشكّلت حياتي عبر ثلاث دوائر رئيسية متداخلة: العائلة، المدرسة، والبيئة الثقافية والسياسية في مدينتي السماوة. ولدت في عائلة فقيرة، لكنها قريبة من عالم الكتب والفكر التقدمي ونضالات اليسار العراقي. كانت الكتب والمجلات جزءاً من حياتنا اليومية، فبدأ شغفي بالقراءة منذ طفولتي، ففي الصف الرابع الابتدائي، ضبطني أخي الأكبر وأنا أقرأ «العبرات» للمنفلوطي. في الوقت نفسه، شكلت معاناة الأسرة مصدر وعي مبكر بقضايا العدالة الاجتماعية، إذ كان ما أقرأه عن الظلم والفوارق الطبقية يظهر لي مجسداً في واقعنا، الذي دفعني للعمل منذ الصغر لتوفير مصاريف الكتب والسينما ومساعدة الاهل، فأثر في تكويني الاجتماعي والسياسي، وعزز شغفي بالقراءة والمعرفة. وكنت محظوظا في كل مراحل دراستي، بوجود مدرسين على مستو عال من المسؤولية، خصوصا مدرسي اللغة العربية، الذين اكتشفوا ميولي الأدبية المبكرة وشجعوني على قراءة الادب الكلاسيكي والتراث والادب الإنساني، والتعبير عن نفسي بالكتابة. وبدأت خطواتي الأدبية بكتابة أول قصة قصيرة في سن الثالثة عشرة. وايضا البيئة الثقافية والسياسية في مدينتي السماوة الحبيبة، التي لها تاريخ حضاري وثوري غني، وعاش فيها أسماء مهمة من الأدباء والمثقفين والقادة السياسيين. كذلك النشاط الطلابي والسياسي المبكر وسّع آفاقي الفكرية وعزز اهتمامي بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، وجعلني أدرك مبكراً أن الكتابة أحد ادواتي الفاعلة لإيصال أفكاري للناس والتعبير عن همومهم والسعي لحياة أكثر عدلاً وكرامة.

المسرحي فاضل السوداني

متنوعة الطوائف والأديان، حيث كانت طقوسهم تثير لدي الحس الشعري والدرامي، لأنها مملوءة بالغرائبية، ومنها الطقوس المندائية التي تملأ المدينة والتي يمارسونها في أعيادهم، ومناسباتهم الدينية وتتم دائما وسط النهر، فالماء جزء من طقوس التعميد الدينية، فنرى صولجان الشيخ، وغصن الشجر الطري في عمامته،وتمتماته التي هي جزء من أسطورية كتاب «الكنـزربا» المقدس، فنسمعه يتمتم بخشوع (بكلمتك خلق كل شئ) وكأنه يبحث عن نور الشمس، فيضع الغصن كأنه نجمة، بل قمرا تائها على رأس المندائي الذي يحلم بالغفران، ويتوحد الحالم مع روحه ليمشي على النجوم (الأبدية)، ليتطهر طوال العام في زمن المسرة،. أنه مشهد ساحر إسطوريا ودرامياً.

كانت الأضرحة المقدسة التي تكثر في مدينتي تسحرني بصمتها وتمتمات الزوار المتدينين، وبعد ذلك الإحساس بالخشوع، والرهبة في الأضرحة الحسينية، والأولياء الصالحين في النجف وكربلاء والتي فيها تمتلئ روحي بذلك الانبهار والجو الغريب (القريب من صمت المسرح) الذي كنت أفضل أن اختلي فيه ساعات طويلة متسربلا بالخشوع وبخور العافية.

ومنذ طفولتي كنت مندهشاً من جميع طقوس التعازي التي كانت تقام بذكرى الحسين(ع)، فالهوادج المضيئة بالمشاعل، ورائحة البخور و الردات الحسينية الحزينة التي تتكرر كل عام في شهر عاشور وتنتهي " بالتشابيه "والحزن يلف جميع مرافق المدينة الموشاة بالأسود والذي سيخلق جوا خاصاإنه مشهداً متفرداً في تراجيديته.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced