إليزابيث ستراوت في (الأشياء التي لا نقولها أبدا)
نشر بواسطة: mod1
الثلاثاء 01-09-2026
 
   
رضا الظاهر

جماليات الاغتراب والعزلة

(الأشياء التي لا نقولها أبدا) The Things We Never Say هي رواية الكاتبة الأميركية إليزابيث ستراوت Elizabeth Strout، الصادرة عن دار (فايكنغ) في أيار 2026.

تتناول الرواية قصة آرتي آدم، مدرس التاريخ في مدرسة ثانوية بولاية ماساشوسيتس، يعيش حياة تبدو مستقرة مع زوجته إيفي التي تجمعه بها علاقة دامت ثلاثة عقود، إلا أنه يعاني، في قرارة نفسه، من يأس، وشعور عميق بالاغتراب والعزلة.

وتدور أحداث الرواية على ساحل ماسوشيستس خلال صيف وخريف 2024 حيث حالة القلق السائدة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وفي هذه الرواية نواجه موضوعات ترامب، والوحدة، والألغاز التي نحملها داخل أنفسنا. وقد لاحظت الروائية ستراوت في مقابلة أجريت معها مؤخرا أنه: "عندما أنظر إلى أعمالي أدرك أنني كنت مهتمة بشكل متزايد بفكرة أننا ليس فقط لا نفهم الآخرين، بل ربما لا نعرف من نحن مقارنة بالأشخاص الآخرين"، وبالنسبة لآرتي دام "الأشياء التي لا نقولها أبدا". فقد أدى هذا الإدراك إلى يأس وجودي دفعه إلى التفكير بطرق مختلفة لقتل نفسه، دون أن يخبر زوجته وابنه بأنه مات بيده. إنه مهووس بالخيارات بهدوء، بينما يحافظ، ظاهريا، على البهجة التي يراها الآخرون تقترب من الحماقة.

هذه رواية تتناول حالة عدم الاستقرار والقلق التي سادت في عهد ترامب، حالة من الذعر المتصاعد الذي يكاد ينفجر، وشعور عميق بالعزلة يزداد حدة عندما يحب المرء لكن لا يُرى حقا. فآرتي محبوب من عائلته ومجتمعه بأكمله من الطلاب والزملاء والأصدقاء، ومع ذلك لا يفصح عن معاناته لأحد. وقد أشارت الكاتبة إلى ما ترمي إليه هنا بـ" تفرد كل شخص وغموضه، حيث يحمل في داخله كونا شاسعا مجهولا". ومن المثير للإعجاب أن منظور ستراوت الروائي ينمّي الفهم، والتعاطف مع أنفسنا ومع الآخرين، وهو نوع من التعاطف الوليد الذي غالبا ما تنتجه الروايات العظيمة لدى القارىء. ويرى نقاد كثيرون أن هذه أفضل رواية لستراوت منذ روايتها (أوليف كيتريج) التي فازت عنها بجائزة (بوليتزر) للرواية عام 2009، وهي أيضا روايتها الأكثر معالجة للقضايا السياسية. وبينما أشارت روايات سابقة، بشكل عابر، إلى قسوة عالم ترامب، إلا أن هناك مستوى جديدا تماما من الفوضى الداخلية التي يعيشها آرتي، على سبيل المثال، وهو ينقب، بجنون، في كتب التاريخ بحثا عن أوجه تشابه مع المد المتصاعد للفاشية الذي يراه يلوح في الأفق.

تُستهل رواية (الأشياء التي لا نقولها أبدا) باقتباس من كارل يونغ يقول: "لا ينبع الشعور بالوحدة من غياب الناس من حول المرء، بل من العجز عن إيصال الأمور التي تبدو مهمة له، أو من اعتناق آراء يراها الآخرون غير مقبولة". ولعل هذه العبارة تصلح وصفا لأي من أعمال ستراوت التي تتناول، مرارا، موضوع الوحدة وأسبابها. ففي روايتها (أخبرني بكل شيء) الصادرة عام 2024 تقول أوليف كيتريج للوسي بارتون: "يا لوسي أنت كائن صغير وحيد"، فترد عليها لوسي قائلة: "ومن ذا الذي لا يشعر بالوحدة يا أوليف؟ أريني شخصا واحدا لا يعاني منها". وتعاني أوليف هي الأخرى أيضا، إذ تصرخ: "الوحدة! آه، يا لها من وحدة!"، وتؤمن بأن "الوحدة قد تقتل البشر".

وعلى حد تعبير يونغ لا تنبع هذه الحالة من العزلة، فشخصيات ستراوت تعيش في بيئة اجتماعية، غالبا ما تكون بلدات ساحلية صغيرة، حيث يعرف الجميع تفاصيل حياة بعضهم البعض. إنهم يتبادلون النميمة، ويستعيدون الذكريات، ويعبرون عن آرائهم بلهجة واثقة، ويقيمون صداقات غير متوقعة، كما يختلفون في ما بينهم أو يقعون في الحب، ومع ذلك فهم يشعرون بالوحدة والتجاهل وسوء الفهم، وهم، أيضا، لا يفهمون الآخرين، حتى أولئك القربين إليهم. تقول لوسي مخاطبة بوب بورغس في رواية (أخبرني بكل شيء): "يخبرك الناس دائما بحقيقتهم، إذا ما أنصت إليهم حسب". لكنها تعود بعد بضع صفحات لتقر بأننا "لا نعرف شخصا آخر حقا .. فالناس يعيشون حياتهم دون معرفة حقيقية بأي أحد".

للوهلة الأولى لا يبدو آرتي دام، بطل رواية (الأشياء التي لا نقولها أبدا) يعاني من الوحدة. فهو في السابعة والخمسين من عمره، ينعم بحياة زوجية سعيدة، ويمتلك منزلا يطل على البحر في ولاية ماساشوسيتس، ويمارس الإبحار في عطلة نهاية الأسبوع، كما تربطه علاقة وطيدة بابنه بوب. وفي مهنته حقق نجاحا لافتا أهّله لنيل لقب "معلم العام". ويطلق عليه طلابه اسما يعكس المودة المرحة، ويتلقى كل عام رسائل من طلاب سابقين يشكرونه فيها على تغيير حياتهم. ومع ذلك فإن تراكم مشاعر الوحدة قد أوصله إلى حافة الانتحار، والرغبة في التحرر من "قيود العالم". فالعالم، بحد ذاته، يبعث على الأسى، إذ يساوره القلق الشديد إزاء نتائج الانتخابات الرئاسية المرتقبة. كما أن علاقاته بالأصدقاء والجيران تثير في نفسه الكآبة، إذ يقول متذمرا: "أتساءل لماذا لا يقول الناس أبدا أي شيء حقيقي". إنه يعيش حياة مزدوجة، يتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بينما يفكر في طرق لإنهاء حياته، سواء كان ذلك باستخدام مسدس، أو شفرة حلاقة، أو حبل، أو أقراص دوائية، أو عبر حادث سيارة، أو – وهو خياره المفضل – السقوط من قاربه الشراعي والموت غرقا.

وقد حصل على فرصة في أحد أيام السبت، بينما كان يرفع نفسه من زورقة إلى قاربه الشراعي. كان التيار جارفا بشكل غير متوقع، فانزلقت قدمه، وسقط في الماء. لقد حلم بهذا قبل أسبوع واحد فقط، بسماء زرقاء وسحب بيضاء فوقه، وهو يطفو بلا حول ولا قوة في البحر. والآن، بعد أن حدث ذلك نجده يرغب بقوة في البقاء. وبفضل زورق آلي تم انتشاله من الماء ونقله إلى المستشفى .. "آرتي – بعد أن كان على وشك الموت – لم يعد يريد ذلك"، أو كما يقول لنفسه: "لم أكن أريد أن أموت. أنا فقط لم أرغب في العيش".

رواية ستراوت تقدم جماليات هادئة وتأملية تركز على المساحات المنزلية الوادعة، وثقل الأزمات النفسية التي لا يجري الإفصاح عنها، وطبيعة العزلة المعاصرة في ظل خلفيات سياسية مشحونة. وتضفي الرواية طابعا تأمليا مشوبا بمسحة من الشجن، إذ يُبنى الهيكل الجوهري للحياة الإنسانية على ما يختار الناس كتمانه في أعماقهم بدل البوح به. ويمكن القول إن رواية (الأشياء التي لا نقولها أبدا) تفسر الاغتراب العميق الذي يعيشه بطل الرواية ليس فقط باعتباره أزمة وجودية معزولة، بل تداعيات سايكولوجية لمرحلة العولمة الرأسمالية.

وقد كتبت الرواية، التي تركز، في المقام الأول على العالم الداخلي لآرتي دام، مع رصد متزامن لكيفية نظر الشخصيات المحيطة به إليه، بتتابع حر يشبه أسلوب الكولاج، حيث تتوالى مشاهد ولقطات قصيرة تنتقل بسلاسة وانسيابية بين تأملات الحاضر، وذكريات الماضي، ولمحات مفاجئة عن المستقبل.

الكاتبة إليزابيث ستراوت، المولودة في بورتلاند بولاية مين، والحاصلة على شهادة الدكتوراه في القانون، روائية أميركية كانت تجاربها في شبابها مصدر إلهام لرواياتها. وكانت مدينة شيرلي فولز الخيالية هي مسرح أحداث أربع من رواياتها العشر.

وقد حظيت روايتها الأولى ((آمي وإيزابيل) – 1998، باطراء نقدي واسع النطاق، وتحولت إلى فيلم من بطولة الممثلة الأميركية الشهيرة إليزابيث شو. وتلقت روايتها الثانية (ابق معي) – 2006 إشادة النقاد. وبعد عامين كتبت ستراوت ونشرت رواية (أوليف كيتريج) – 2008، التي فازت بجائزة بوليتزر للرواية لعام 2009، وتحولت إلى مسلسل قصير حاز على جوائز عدة من إيمي، وحققت نجاحا كبيرا، إذ بيع منها ما يزيد على مليون نسخة. وبعد خمس سنوات نشرت روايتها (أولاد بورغس) – 2013، كما حظيت روايتها (إسمي لوسي بارتون) – 2016، بإشادة نقدية، وأصبحت لوسي بارتون في ما بعد الشخصية الرئيسية في رواية ستراوت (كل شيء ممكن) – 2027. ونُشر جزء ثانٍ من (أوليف كيتريج) بعنوان (أوليف مرة أخرى) – 2029، بينما نُشرت رواية لوسي بارتون الثالثة عام 2021، كما نُشرت روايات أخرى في سلسلة لوسي بارتون بين عامي 2022 و2024.

بوسعنا أن نختتم هذه المتابعة النقدية بالإشارة إلى أن روايات ستراوت تعنى بالشأن العائلي – من اختلال العلاقات بين الآباء والأبناء إلى تقلبات الحياة الزوجية – إلى درجة أن بعض النقاد غالبا ما يغفلون أبعادها الأوسع نطاقا.

وتبرز في الرواية قضايا شتى بدءا من غزة، وإيلون ماسك، وملاحقة البيت الأبيض لفلاديمير زيلينسكي، مرورا بسوء معاملة المهاجرين غير الشرعيين، وصولا إلى المشكلات التي يواجهها المعلمون في ظل لجوء الطلاب إلى "تشات جي بي تي" لإنجاز واجباتهم المدرسية. وتعد هذه الأمور جزءا من أسباب حالة الكآبة المستمرة التي تلازم آرتي، إلى جانب نتائج الامتحانات التي خصصت لها صفحة مستقلة في منتصف الرواية، صفحة لا تحوي سوى جملتين تحيط بهما مساحات بيضاء واسعة من الأعلى والأسفل: "جرت الانتخابات وانقضت. ذُهل نصف البلاد، بينما غمرت الفرحة النصف الآخر". لم يكن آرتي ليصف الأمر بمثل هذا الحياد، فقد استشعر الغضب المتنامي في العالم وفي داخله. إنه يعجز عن النطق بكلمة (ترامب)، أو ربما تعجز ستروات نفسها عن ذلك، إذ يبدو ذكر اسم هذا "الأحمق" أو"العبقري الشرير" أمرا لا يطاق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاتحاد الثقافي – العدد 105 – آب 2026 

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced