كيف مزقت توني موريسون ستار الصمت
يعد كتاب ناموالي سيربيل الموسوم (عن موريسون) On Morrison، الصادر مؤخرا عن دار (هوغارث)، تقييما بارعا لأعمال الروائية الأميركية توني موريسون، الحائزة على جائزة نوبل عام 1993، يكشف عن نقدها البنيوي للعنصرية والتسليع وطمس التاريخ.
ويتألف كتاب سيربيل، الروائية والناقدة وأستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة هارفارد، من إثنتي عشرة مقالة، تعيد تقييم الانتاج الغزير لموريسون، وتدعو الى التفاعل معها، دون أن تتوقف عند حدود كونها أيقونة أدبية.
من المعروف أن توني موريسون ألهمت أجيالا من الكتاب ومن القراء، غير أن شهرتها غالبا ما تطغى على عبقريتها الفنية، ربما لأنها، كما تقول سيربيل "الكاتبة السوداء الوحيدة التي تُعتبر مرجعا أدبيا حقيقيا، وأعمالها شديدة التعقيد".
وفي هذا الكتاب النقدي الجديد نتعرف على موريسون في رحلة مذهلة عبر مجمل إنجازاتها: رواياتها ونقدها وأعمالها الدرامية والشعرية الأقل شهرة. ويعتبر كتاب (عن موريسون) مرجعا أساسيا ليس فقط لقراءة أعمال واحدة من أهم الكاتبات الأميركيات على مر العصور، بل أيضا لقراءة روائع الأدب عموما، فهو يجمع بين سهولة الفهم والعمق. ويتميز هذا الحوار الأدبي بين كاتبتين سوداوين، فنانتين وقارئتين، بأسلوبه الأنيق وعمقه الفكري.
وتجادل سيربيل بأن أعمال موريسون غالبا ما أُسيء فهمها، أو رُفضت باعتبارها "صعبة"، بسبب رؤيتها الصارمة. وتنظر سيربيل إلى هذا التعقيد المقصود لا على أنه استعراض، بل باعتباره آلية لارغام القراء على المشاركة الفعالة في بناء السرد.
ولعل من بين أهم رؤى سيربيل الأدبية أن بنى الشكل لدى موريسون حيوية لسردها الروائي. ففي روايات (أكثر العيون زرقة)، و(محبوبة)، و(الوطن) تحلل سيربيل الكيفية التي تُستخدم بها وجهات النظر المجزأة، وتعدد الرواة، وانقطاع التسلسل الزمني، لعكس حقائق معقدة كالصدمات السايكولوجية والتهجير العنصري.
وتقوم سيربيل بتناول موريسون ككاتبة سوداء تعنى ببنات جنسها، مشيرة الى الكيفية التي تحدّت بها موريسون التصنيف السهل. وتستكشف المؤلفة كيف تجلت عبقرية موريسون الأدبية ضمن الروابط المتداخلة والمتناقضة للآليات العرقية والجنسية الأميركية.
ومن ناحية أخرى يؤكد كتاب سيربيل على مكانة موريسون في سياق التراث الأدبي والموسيقي الأسود الغني، مقارنا أساليبها بموسيقى الجاز، ودلالات ذلك، ومتتبعا أوجه التشابه بينها وبين الكتاب الحداثيين البيض.
ولا يقتصر تركيز سيربيل على "صعوبة" موريسون على الجانب الأكاديمي والتجريدي حسب. فالمؤلفة تجادل بأن فجوات موريسون السردية، مثل وجهات النظر المجزأة في رواية (أكثر العيون زرقة)، تجبر القاريء على بذل جهد أكبر لتجميع القوى المتعددة والمفرطة التي تسحق المهمشين. ويرفض هذا الواقع الاستهلاك البرجوازي السلبي لصالح انخراط معرفي دقيق. وتستكشف سيربيل المأزق المزدوج للعرق والجنس، مسلّطة الضوء على كيف أن رفض موريسون المتعمد للخضوع للنظرة البيضاء البطرياركية جعل عملها صعبا بالضرورة. وفي صميم نقد عمل موريسون يكمن تسليع عمل السود وأجسادهم، وهي الحقيقة التاريخية المتمثلة في معاملة المستعبَدين كرأسمال.
ويتتبع كتاب سيربيل معالجة موريسون لصدمة العبودية الرأسمالية عبر روايات عدة، حيث تتناول سيربيل شبح العبودية الذي مايزال يخيم على الأجساد السوداء، المستعبَدة، التي يُنظر إليها كملكية ومصدر ثروة للنخبة الحاكمة.
ولا يُنظر إلى موضوعات العنصرية المستبطنة، مثل رغبة بيكولا في العيون الزرقاء، على أنها مجرد عيوب سايكولوجية، بل كأعراض لتسلسل هرمي رأسمالي قمعي، يحدد القيمة بناء على القرب من البياض.
وتستشكف شيربيل كيف تلقي موريسون بظلالها على السرديات الكلاسيكية التي يهيمن عليها البيض، منخرطة في ما يسميه المنظّرون الأدبيون "الدلالة".
وباستخدام الفولكلور واللهجة العامية والأسطورة تقوض موريسون الثنائيات الأوروبية الأميركية. على سبيل المثال تعرّف شيربيل، (تار بيبي)، وهي رابع روايات موريسون، وتدور أحداثها على موقع في جزيرة كاريبية وتستكشف قضايا الهوية، والطبقة الاجتماعية، والصراع بين الثقافة السوداء التقليدية والاستيعاب الثقافي الغربي من خلال قصة حب معقدة بين عارضة أزياء شابة ورجل أسود هارب، تعرّف ذلك بأنه نقد ساخر للأفلام الليبرالية البيضاء البرجوازية، مثل فيلم (خمّن، من سيأتي للعشاء؟)، وهو دراما فتاة بيضاء تنتمي لعائلة ليبرالية تقرر الزواج من طبيب أسود البشرة، والتعقيدات الاجتماعية والعنصرية المرتبطة بخوف العائلة على مستقبل ابنتها، والفيلم من إنتاج عام 1967، ومن إخراج ستانلي كريمر، وبطولة سيدني بواتيه، وكاثرين هيبورن، وسبنسر تراسي. وقد شكل علامة فارقة في تاريخ السينما الأمريكية بفضل معالجته الجريئة لقضية الزواج المختلط.
وفي نقدها لمفهوم "التعاطف" كتبت سيربيل، نفسها، مرارا عن "ابتذال التعاطف" في الفكر السياسي والأدبي، و هي تقر بإعجابها بأسلوب موريسون الجريء وفكرتها بأن الاستغلال البنيوي لا يمكن حله بمجرد شعور من "التعاطف" من جانب المستعمِر، بل يتطلب الأمر النظر، مباشرة، الى الحقائق المادية الاجتماعية والاقتصادية.
ومن الأهمية بمكان أن الباحثة ناموالي سيربيل تقدم في كتابها (عن موريسون) تقييما نسويا متقاطعا وجريئا لأعمال موريسون. فمن خلال تجاوز مكانة موريسون كرمز مقدس، تسلط سيربيل الضوء على موضوع "صعوبة" موريسون، ومواقفها المخالفة للتيار السائد، مبرزة كيف أن موريسون استخدمت منظورات المرأة السوداء المعقدة، والغموض، والتخريب البنيوي، لإجبار المؤسسة الأدبية على أخذ الفن الأسود على محمل الجد.
ويبرز منظور سيربيل النسوي في كتابها عبر محاور عدة. فهي تشير إلى أن موريسون واجهت ردود فعل عنيفة، ووُصفت بأنها "صعبة المراس" و"متسرعة" و"لئيمة"، لأنها رفضت استرضاء القراء أو الناشرين البيض. وتجادل سيربيل بأن موريسون تعمدت التمسك بهذه "الصعوية". وبالنسبة للمرأة السوداء يصبح هذا الرفض لمواساة القاريء عملا سياسيا جذريا، يؤكد على الضرورة المطلقة في أن تُؤخذ على محمل الجد. وتتبنى سيربيل هذه الفلسفة متطلعة الى حرية موريسون في تجسيد التعقيد دون اعتذار.
ولعل من بين أبرز تحليلات سيربيل قراءتها لقصة موريسون القصرة (ريستاتيف)، وهي قصتها القصيرة الوحيدة المنشورة عام 1983. وهذا النص، الذي يعالج موضوع التمييز العنصري والطبقي، مبني على لقاءات بين امرأتين إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، حيث تتعمد موريسون إخفاء هوية كل منهما. وتستخدم سيربيل النظرية الأدبية ما بعد البنيوية لتوضيح كيف يفكك هذا الغموض الثنائيات الجوهرية التي تستخدمها لتحديد العرق والجنس، دافعة القراء الى مواجهة كيف تملي تحيزاتهم الشخصية قراءتهم للشخصيات.
ومن خلال استعراض روايات موريسون الإحدى عشرة تولي سيربيل اهتماما دقيقا بكيفية توظيف موريسون للأنواع الأدبية التقليدية، مثل قصة الأشباح في (محبوبة)، أو القوطية في رواية (رحمة) لاستكشاف أهوال العبودية والنظام البطرياركي. وغالبا ما تصور أعمال موريسون أمهات يتخذن خيارات لا تصدق. وبدلا من الحكم على هؤلاء النساء وفقا لمعايير الأمومة التقليدية، تسلط سيربيل الضوء على كيفية تركيز موريسون على دور المرأة السوداء وبقائها في عالم معادٍ للسود.
وأخيرا تتعمق سيربيل في كتابات موريسون النقدية، وتحلل نظريتها حول "الحضور الأفريقي" في الأدب الأميركي الأبيض، وتناقش كيف أدركت موريسون وجود "ستار" من الصمت غالبا ما يُسدَل على الحقائق المروعة للعبودية وللانتهاكات الاجتماعية. وتربط سيربيل هذا بهوية موريسون المزدوجة كامرأة سوداء، وفنانة، مهمتها "تمزيق هذا الستار"، مع الموازنة بيين الحدود الأخلاقية لتصوير العنف دون تحويله الى مادة إباحية.
ويمكن، في النهاية، اعتبار كتاب سيربيل بمثابة رسالة حب للتراث الأدبي الأسود، ولفضائل القراءة المتعمقة.
أما ناموالي سيربيل، مؤلفة كتاب (عن موريسون)، المولودة في لوساكا، فهي كاتبة زامبية، وأستاذة في جامعة هارفارد. فازت روايتها الأولى (المجرى القديم) - 2019 بجائزة أنيسفيلد-وولف للكتاب، وجائزة آرثر سيز كلارك للرواية العلمية، وجائزة آرت سايدنباوم من صحيفة لوس إنجيليس تايمز لأفضل عمل روائي أول. ووصلت روايتها الثانية (الأخاديد) - 2022 الى القائمة النهائية لجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية للرواية، واختيرت ضمن أفضل عشرة كتب للعام من قبل صحيفة نيويورك تايمز. كما وصل كتاب مقالاتها (وجوه غريبة) الى القائمة النهائية لجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية. وحازت سيربيل على جائزة رونا جافي للكتابة عام 2011، واختيرت ضمن قائمة أفريقيا 39 عام 2014، وفازت بجائزة كين للكتابة الأفريقية عام 2015.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة (الصباح) – 2 أيلول 2026